بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، يونيو 6

منابع النيل‏..‏ والثقافة لا ينفصلان

منابع النيل‏..‏ والثقافة لا ينفصلان



منابع النيل‏..‏ والثقافة لا ينفصلان
النقطة الأولي التي أود الحديث فيها هي أنه لا جديد في أن الدولة العبرية أدارت الصراع مع مصر بطريقة شاملة‏,‏ لم يظهر فيها أي تراخ‏, حتي بعد معاهدة كامب ديفيد, وبعد التغيرات الجذرية في الواقع السياسي والاقتصادي المصري بالاتجاه غربا ورأسماليا, وبعد ظهور قطاعات من الرأي العام المصري, خاصة لدي النخب السياسية والفكرية تؤيد التطبيع.
ولم تتردد الدولة العبرية في أن تتحرك في الدوائر نفسها, التي اعتبرتها مصر منذ فلسفة الثورة مطلع الخمسينيات مجالا لحركتها وتحقيق دورها, وها نحن نري الدور والنفوذ الصهيوني في الدائرة العربية, قطر مثالا, وفي الدائرة الإفريقية منابع النيل مثالا, وفي الدائرة الإسلامية ودائرة عدم الانحياز والتحرر الوطني الهند والصين وتركيا وغيرها أمثلة! والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تستطيع مصر برئاسة مرسي, وهيمنة جماعة الإخوان المسلمين أن تعالج الأمر ابتداء بمواجهة التفتت الديني والمذهبي والطائفي والسياسي والاجتماعي داخل الوطن, وهو تفتت طالما راهن العدو الصهيوني علي إحداثه, ولخصه أحد كبار قادتهم قبل رحيل حسني مبارك, عندما قال ذلك الصهيوني: لقد كانت مصر ملعبا مفتوحا بالنسبة لنا, وخاصة علي الصعيد الطائفي وفعلنا ما نشاء, ولن يستطيع أي رئيس مصري قادم بعد مبارك أن يعيد مصر إلي ما كانت عليه, وكان ذلك التصريح مقترنا بتصريح الوزير بن إليعازر, الذي قال هو الآخر: إن الرئيس مبارك كان كنزا استراتيجيا لإسرائيل! ثم كيف تستطيع مصر الآن أن تواجه ما فعلته الدولة العبرية في الدوائر الخارجية التي أشرت إليها؟!
إن إدارة الرئيس مرسي ومعها السلطة العليا التي توجهها ـ أي مكتب الإرشاد ـ لم يفصحا عن أي تصور استراتيجي لإدارة الصراع مع الدولة العبرية, خاصة أن تلك الأخيرة لا تتردد في أن تؤكد علنا أو ضمنا بالقول وبالفعل أن لديها حزمة واحدة شاملة هي حل المسألة الفلسطينية وفق الشروط الصهيونية, ثم مسألة المياه في المنطقة, بما في ذلك خروج مياه النيل خارج دول الحوض, ثم مسألة الشرق الأوسط الجديد الذي ينهي حكاية المنظومة العربية وكل ما له علاقة بنظام عربي ذي سمات قومية أو تحررية أو حتي إسلامية.
لقد شغلونا بمثل ما انشغلت به بيزنطة في العصور الوسطي, وحتي الآن مازال الصراع في مصر يدور من حول الشريعة ومبادئها وأدلتها, وما هو كلي وما هو فرعي, ويدور من حول التمكين والأخونة إلي آخر هذا العبث الذي أنهك الوطن, مثلما أنهكت بيزنطة بالجدل حول طبيعة السيد المسيح, وأظن أنه قد آن الأوان لكي يفصح الرئيس وإدارته ومكتب الإرشاد عن استراتيجية الحكم, ليس فقط بالنسبة لإدارة الصراع مع الدولة العبرية, ولكن بالنسبة للدور المصري في المنطقة وفي العالم, ولن ينتقص من قدرهم شيئا إذا أعلنوا أنهم يتخذون من رصيد مصر الناصرية مرتكزا أو أنهم ليس لديهم أي تصور, وأن الأصل عندهم كما قال كبيرهم مهدي عاكف هو أن مصر لا تهمهم أي بالبلدي مثلما صكها هو طظ في مصر!
النقطة الثانية التي أود التطرق إليها هي ما اصطلح علي تسميته بالقوة الناعمة لمصر, أي إنجازاتها الثقافية, بالمعني الشامل للثقافة, وكذلك قدراتها العلمية, وهي قوة تتعرض الآن لمزيد من الصدوع والفوالق, التي لم تبدأ في هذه المرحلة وإنما ارتبطت بالنصف الثاني من عقد السبعينيات حيث ساد منطق انفتاح السداح مداح, وتحولت كل قيمة عليا محترمة إلي سلعة تجارية, وليتها كانت تجارة لائقة ولكنها كانت بأسلوب الشنطة والشروة.. وفي جيبك كم.. تساوي إيه؟!.
الآن وبعيدا عن تعليق الأمور علي شماعة مؤامرة التمكين الإخواني, فإن الأسلوب الذي يعتمده بعض وزراء الحكم الإخواني في نسف ما هو قائم, خاصة في مجال الثقافة والإعلام حتي يتم بناء الجديد علي نظافة, هو أسلوب انتحاري أقرب إلي ذلك الذي يلف نفسه بحزام ناسف ويفجر الهدف ولا بأس من تفجير جسده.. مع فارق أساسي أن الوزراء الانتحاريين لا يدركون أن صروح الثقافة المصرية هي أشجار ضاربة بجذورها في عمق الوجدان الوطني, وأنه يمكن نسف أعضائها وأجزاء من جذوعها, ولكن لا يمكن نسف الجذور الممتدة في الجغرافيا والتاريخ إلي أعماق سحيقة. كان من المتصور منطقيا أن يأتي الوزير الجديد ويعلن عن خططه, وعن سبل تحقيقها ومداها الزمني, ثم يجلس إلي معاونيه الموجودين في كل الهيئات, ويعرف مدي استعداد كل منهم للعمل وفق هذه الخطط, ومن يرفض أو يراوغ أو ينافق فالوسائل لإقصائه معروفة! إننا إذا نظرنا إلي السعي المحموم للاتجاه السلفي, لكي يتم استئصال أهم منبع للثقافة الشعبية وللإبداع المصري, وهو الموالد والاحتفالات الدينية والإسلامية وأيضا المسيحية, ثم سعيهم كذلك إلي محو البصمة الإبداعية المصرية في تلاوة القرآن الكريم, وفي الإنشاد الديني, واتجاههم إلي إنهاء وجود ما يرون أنه فسق وخروج علي الدين, مثل الباليه والرقص الشعبي, وربما أيضا المسرح والمسلسلات والسينما إذا لم نتقيد بما يفرضونه, وربطنا ذلك بما يقوم به وزراء حكومة الإخوان لأدركنا حجم وعمق الخطر, الذي يتهدد القوة الناعمة المصرية, ناهيك عن الحال المتردية التي تمسك بخناق المؤسسات العلمية المصرية, مثل مراكز البحوث والجامعات, والتي وصل الأمر في بعضها إلي رفض تنفيذ أحكام قضائية نهائية جامعة النيل ومؤسسة زويل, واستخدام البلطجية والعنف المسلح تجاه الآخر الذي يحوز الحكم القضائي.. أرأيتم هول ما نحن فيه؟!
النقطة الثالثة والأخيرة, هي حتمية الربط بين ما تفعله الدولة العبرية, كما وضحت في النقطة الأولي, وبين حال قوتنا الناعمة ليصبح السؤال الأكثر خطورة هو: هل يمكن لمجتمع يتم تفتيته وتفكيكه ونسف جوانب قوته الحضارية والثقافية أن يدخل في صراعات طويلة المدي, وأن يحمي مقدرات وجوده وعلي رأسها مياه النيل؟ وهل سيتحمل الإخوان وحلفاؤهم المسئولية التاريخية وحدهم أم أننا جميعا شركاء في هذه المسئولية؟
نعم.. نحن جميعا شركاء لسببين, الأول: هو أننا نري حجم الخطر ومعه حجم الخطأ في إدارة الحكم, ولم نسع للتغيير وفق الأصول التي سعينا لإقرارها بعد ثورة يناير, والثاني: لأننا لا نبادر بإنشاء مؤسسات شعبية تسعي لإنقاذ قوتنا الناعمة وبالمبادرة لإيجاد أنشطة فنية مسرحية وسينمائية وفلكلورية ترعاها جمعيات أهلية ونشق طريقا جديدا, وعندها لن يجد الوزراء الانتحاريون إياهم إلا تقشير البصل وتقطيف الملوخية عملا ينشغلون به

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق