بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، يونيو 6

النوبة و القناة و سيناء

النوبة و القناة و سيناء

النوبة و القناة و سيناء
نحن جميعا مصريون متساوون من حيث حقوق المواطنة‏,‏ و لكنا أفرادا و جماعات لسنا متساوين من حيث عطائنا لمصر‏;‏ فهناك من قدموا حياتهم في سبيل أن ننعم نحن بحياتنا‏...  و هناك من قدموا أرواحهم من أجل دحر أعداء الوطن و ردهم عن حدودنا, و هناك من قدموا أرواحهم من أجل العدل الاجتماعي أو من أجل الحرية و الكرامة الإنسانية.
وعلي مستوي الجماعات السكانية المصرية فهي أيضا ليست سواء من حيث عطائها لمصر. إننا كلما ارتشفنا آمنين رشفة ماء, و كلما عبرنا قناة السويس آمنين إلي سيناء, ينبغي أن نحس في كل لحظة بنوع من الامتنان الخاص لأبناء النوبة, و أبناء القناة, و أبناء سيناء.
إن أبناء جيلي يذكرون واقعتي تهجير شهيرتين: التهجير الثالث لأبناء النوبة عام1963 بعد عمليتي تهجير عامي1902 و1912, و تهجير أبناء مدن القناة لفترة امتدت من1967 إلي.1967
لقد عاني أبناء النوبة المرة تلو المرة آلام هجرة قراهم التي نشأوا فيها و ارتبط بها تراثهم المتميز و ذكرياتهم الحميمة, و كانت تلك الهجرات المتتالية و ما صاحبها من آلام ثمنا قدموه لكي يكفلوا لنا جميعا شربة ماء ويكفلوا لأرضنا ريا دائما و يجنبونا مخاطر الفيضان. ألا يستحقون بعد كل ذلك أن نعترف لهم بالفضل؟
لقد كانت مدن القناة دوما مسرحا لمقاومة المحتلين و الغزاة, قاومت جيش الاحتلال البريطاني, و قاومت العدوان الثلاثي1956, و مع هزيمة1967 وقرار مصر بالصمود و رفض الاستسلام و بدء حرب الاستنزاف; تم إخلاء مدن القناة من غالبية سكانها, و كان ذلك ثمنا باهظا دفعه أبناء القناة لمساعدة قواتنا المسلحة حتي نصر أكتوبر.1973 وثمة ذكري شخصية تربط بين أبناء النوبة و أبناء مدن القناة, و تحديدا مدينة السويس, فما زال يتردد في أذني حتي اليوم ذلك الصوت الدافئ للصديق النوبي الراحل محمد حمام و هو يشدو بكلمات الشاعر عبدالرحمن الأبنودي يابيوت السويس يا بيوت مدينتي أستشهد تحتك و تعيشي إنتي. غناها محمد حمام النوبي بين حشود الناس و وسط جنود وضباط الجيش المصري كما لو كانت هذه الأغنية بيانا تاريخيا عن صمود السويس تعبر عن الموقف الوطني و رفض العدوان والتدميرالإسرائيلي للمدن وخاصة مدينة السويس. لقد كتب الأبنودي الكلمات كما لو كانت علي لسان ابن من أبناء مدينة السويس ليغنيها بصدق ابن النوبة محمد حمام و كأنه يستعيد وحدة الألم والتضحية. و لعل استعادتنا لشدو محمد حمام لصمود السويس يذكرنا بأغنية ارتبطت بتاريخ صمود بورسعيد حين شدت شادية بكلمات إسماعيل الحبروك أمانة عليك أمانة يا مسافر بورسعيد أمانة عليك أمانة تبوس لي كل إيد حاربت في بورسعيد. ألا يستحق منا أبناء القناة بعد كل ذلك أن نعترف لهم بالفضل؟.
وأخيرا و ليس آخرا, فقد أشار العقيد أركان حرب أحمد محمد علي المتحدث العسكري للقوات المسلحة, في12 يناير2013 إلي يوم31 أكتوبر1968 موضحا أنه في هذا اليوم وجهت إسرائيل الدعوة لوكالات الأنباء العالمية ومراسلي التليفزيون والصحف من كل أنحاء العالم لحضور مؤتمر صحفي يعلن فيه موشي ديان وزير دفاع الإسرائيلي عن مفاجأة في وجود كبار القيادات في إسرائيل... وقد رتب جيش الدفاع الإسرائيلي لهذا المؤتمر في مدينة الحسنة بوسط سيناء وأحضر شيوخ وعواقل قبائل سيناء ليعلنوا علي العالم المفاجأة التي ستفحم مصر, وهي الإعلان عن رغبة أهالي سيناء في تدويل سيناء وإعلانها دولة منفصلة, وتم تفويض الشيخ سالم الهرش من قبيلة البياضية للحديث باسم شيوخ وعواقل قبائل سيناء أمام الإسرائيليين فإذا به يفاجئ الجميع بقوله: سيناء مصرية مائة في المائة ولا نملك فيها شبرا واحدا يمكننا التفريط فيه.. ومن يريد الحديث عن سيناء يتكلم مع زعيم مصر جمال عبدالناصر.
واختتم المتحدث العسكري كلمته قائلا: تحية إلي سيناء الحبيبة شمالها وجنوبها وتحية لكل شيوخ وعواقل أرضها وتحية للمرحوم الشيخ سالم الهرش وكل مشايخ وعواقل سيناء لوقفتهم الشامخة والرائعة والتي أجهضت المخطط الإسرائيلي... تحية إلي رجال المخابرات الحربية الذين تولوا هذا الملف... تحية لكل موقف وطني رائع قام به أبناء سيناء علي مدي تاريخ الصراع العربي/ الإسرائيلي والذي قاموا به من أعمال بطولية مع المقاتلين المصريين والذي لابد أن يعلمه أجيال مصر الصاعدة. و من الغريب أن الكثير منا لم يلتفت إلي معني تصريح المتحدث العسكري لقواتنا المسلحة و إلي توقيته بالغ الدلالة. تري ألا يستحق منا بدو سيناء بعد كل ذلك أن نعترف لهم بالفضل؟.
إن من يعرفون الأصول ينبغي ألا ينتظروا من أصحاب الفضل عليهم إلي أن يفيض بهم التهميش فيطالبوا بالاعتراف بفضلهم. إنه لأمر يدعو للخجل أن يعاني أبناء سيناء و القناة و النوبة بالذات من ذلك الإحساس بالظلم علي أيدي من كفلوا لهم الكرامة وقبلها الحياة. إن الاعتراف بالفضل لا يعني مجرد التمييز الإيجابي ماديا بل يعني قبل كل ذلك التعبير عن الشعور الدائم بالامتنان

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق