بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، مايو 31

د.محمود أبوزيد وزير الري الأسبق‏:‏أحذر من اللعب بالنار في النيل..وكل يوم يمر دون اتفاق يصعب الأزمة


حوار‏:‏ محمد أبوالحسن
17
4813
محرر الأهرام فى أثناء الحوار مع الدكتور أبوزيد



دخلت مكتبه غاضبا وهذا لايليق‏,‏ قلقا وهذا لا يجوز‏,‏ انهلت عليه بأسئلة تتهم بأكثر ما تستفهم‏.‏ وأشهد أن الدكتور محمود أبوزيد‏,‏ وزير الموارد المائية والري الأسبق كان حليما كلما اشتددت‏‏.
صبورا كلما تجاوزت, أما إجاباته فخالفت المتوقع. هناك من يغرس خنجرا في قلب مصر, ويحاول إمساكها من أخطر أعضائها الحساسة- عن النيل أتحدث يا سادة- إثيوبيا تزرع النهر سدودا وأخطرها النهضة, يتعرقل جريانه من المنبع إلي المصب, بدعم إسرائيلي ودولي. علي مرأي من سلطة ومعارضة تنخرط في حرب بلا جبهة أو ضمير, وجموع مصرية تطل مأخوذة بالحسرة علي ما يحدث أمامها, منقسمة علي نفسها ما بين ساخط بالغضب, أو ساكت علي مضض, ويتواري ملف مياه النيل المتفجر بالرعب, وهو أخطر حتي من الاستعمار, وبدون حمايتها يصبح أي كلام عن الحاضر والمستقبل هرتلة وخطيئة فادحة. فإذا كانت التنمية حقا لدول المنابع, فالأمن المائي حق لدولتي المصب, بعيدا عن أزيز الطائرات وطلقات المدافع.
دكتور أبوزيد, كنت وزيرا للري من عام1997 إلي2009, وشهدت بدايات الأزمة العاصفة التي نعيشها الآن, فكيف تري دعوات البعض' لمحاكمتك' عما يجري؟
أجابني بغضب مكبوت: أرفض أن أجيب عن هذا السؤال. فهؤلاء لا يجدون مبررا لفشلهم, سوي هذا الادعاء, لقد أنجزت43 بندا من بنود اتفاقية مياه النيل الـ44, قبيل خروجي من الوزارة, في بداية المباحثات كان الإثيوبيون يرفضون السلام علينا ويقولون أنتم' تسرقون مياهنا', ثم مددنا جسور التعاون والتفاهم مع دول المنابع, فتغير الوضع, وكنا علي وشك الاتفاق. فلماذا لم يبنوا علي ما أنجزته بدل البدء من نقطة الصفر ثانية.
إذا كانت دول حوض النيل علي وشك الاتفاق معنا, فما الذي منعها؟
كنا قريبين, لكننا فوتنا فرصة الاتفاق, اختلف وزراء الري حول( صياغة) بند واحد فقط يتعلق بضمان حقوق مصر التاريخية في مياه النيل, فاقترحوا ثلاث صيغ,رفعوها لرؤساء الدول, للبت فيها وهو ما لم يتم.
لماذا؟
لقد أهمل الرئيس السابق مبارك الأمر, حتي خرج الاختلاف من الحيز الفني إلي السياسي, فشعرت دول الحوض أننا نتعالي عليهم, ولا نريد الوصول إلي اتفاق, وأننا نماطل ونسوف, فتعقدت المشكلة.
لكن من صعد المواجهة؟
نحن, لأن د.نصر الدين علام( وزير الري بعد د.أبوزيد), لم يتفاوض بسلاسة, وهو المنهج الذي كنت أتبعه ويأتي بنتائج.
أقاطعه: هل تقول إنك لو بقيت في الوزارة لأنهيت أزمة مياه النيل بالاتفاق؟
نعم, أعتقد ذلك.
وما الذي يجعلك متأكدا؟!
لقد وصلنا معهم لاعتراف' ضمني' بأنهم لا يودون التأثير علي حصة مصر والسودان من المياه, في إطار حل وسط لا يحجب حقهم في التنمية.
قال' تشرشل':' من يتحكم في مياه النيل يتحكم في مصر ومصيرها', فهل الخلافات الحالية حكم بالجفاف أو الإعدام علي مصر؟!
لا أظن.. وعلينا أن نضع المشكلة في حجمها الطبيعي, دون تهوين أو تهويل, يمكن' زيادة' حصتنا من المياه أو' تقليلها', أما حجبها لدرجة الهلاك, فغير ممكن, المستغل من مياه النيل هو5% فقط من إيراد النهر البالغ1666 مليار متر مكعب, ويمكن استقطاب الفواقد الهائلة لمصلحة شعوب الحوض.
وما الذي يمنع؟!
عدم الاتفاق بين تلك الدول للعمل معا, في مشروعات تفيد الكل, وترجم هذا في اتفاقية' عنتيبي', لكن مصر لم تتمكن من المشاركة لأسباب تخص أمنها المائي..
آخذ رشفة من فنجان القهوة: عفوا, دكتور, معني كلامك أن الاتفاقية تضر بالأمن المائي المصري؟
أمن مصر المائي يتلخص في أمرين, الأول هو55 مليار متر حصتنا الحالية, يجب أن نحافظ عليها, فإذا نقصت تأثر أمننا المائي. والثاني هو المستقبل, سنصبح140 مليونا في2050, أي نحتاج مضاعفة الاحتياجات المائية, ولابد من البحث عن طرق لذلك. إن الخلاف حول حصتنا الحالية, ليس حول المبدأ نفسه, إنما حول كيفية( النص) عليها في الاتفاقية, أي الصياغة القانونية.
إذن الوصول لحل ليس مستحيلا؟!
نعم, لكن مساعينا ومساعداتنا ليست علي المستوي المطلوب.
أفهم منك أن إدارتنا الحالية لملف مياه النيل مقصرة؟
لا أريد دخول هذه المساحة, التي تختلف زاوية النظر إليها من شخص إلي شخص, لكن ما أعرفه أن الطريق للتفاهم ليس مسدودا.
إثيوبيا لا توافقك الرأي, فقد شرعت في بناء سدود كثيرة علي النيل الأزرق؟
لا مفر من الاعتراف لهذه الدول بحقوق في النيل, فهو ينبع من أرضهم, وعلينا مساعدتهم لإقامة عشرات السدود علي الروافد, سدود صغيرة محدودة السعة.
لكن إثيوبيا تتصرف كأن النيل ملكية خاصة, وتواصل بناء' سد النهضة' وغيره, وقد نقل عن سفيرها قوله'سنواصل إنشاء السدود, شاء من شاء وأبي من أبي!!'.
كان من المفترض أن يسأل عن تصريحاته ماذا يقصد بها, هل ستحارب أم ماذا, لماذا لم يصدر رد فعل عليها.
وسد النهضة ومخاطره علي مصر؟
يري الإثيوبيون أن إنشاء السد أساسي للتنمية وتوليد الكهرباء بالذات وليس الزراعة, وسيخزن نحو73 مليار متر مكعب, وتتوقف أضراره علي مصر, علي المدة الزمنية اللازمة للتخزين, لذا يجب التفاوض علي زيادة المدي الزمني لملء الخزان, برقابة لجان فنية, وبالطبع سيؤثر ذلك في نوعية مياه النيل وحجم كهرباء السد العالي.
ذكرت صحيفة' جلوبال بوست' أن مصر تفقد سيطرتها علي النيل؟
رد باقتضاب: لا تنس أننا دولة مصب..
دعا د. إبراهيم نصر الدين إلي المسارعة بالانضمام لاتفاقية' عنتيبي'؟
علينا الاتفاق مع' أشقائنا' في دول المنبع, لتقليل الآثار الجانبية, والسعي لإدارة مشتركة لموارد المياه وتكلفة ومشروعات مشتركة. لماذا نحن ساكتون وتحركنا بطيء للغاية. أنا خارج دائرة القرار, ناديت كثيرا بعمل مجلس قومي للمياه برئاسة الرئيس, ومشاركة جميع الوزارات والجهات المعنية وتشكيل فريق تفاوضي قوي جدا جدا, وبوضع قضية مياه النيل علي قمة الأجندة السياسية للدولة, بصرف النظر عمن يأتي أو يروح في الحكم, الاستهتار أو التهويل يضيعان الأمر. لقد تأخرنا وأخشي أن كل يوم يمر يضيف صعوبات جديدة.
لماذا لانلجأ لـ'تدويل' القضية, خاصة أن اتفاقيتي1929 و1959 تضمنان حقوق مصر الثابتة, خلال7000 عام, جري فيها النيل صانعا الحضارة والحياة في رحاب المحروسة؟
تدويل الموضوع واللجوء للقانون الدولي, في حال الوصول لطريق مسدود.
والحل العسكري؟
إلا الحرب, نحل المشكلة بأي طريق لكن الحرب لا. نحن لا نستطيع, وهم كذلك. إنهم إخوة وأشقاء, لن نجني من وراء الحرب سوي العداوة بيننا.
لقد ذكرت الأنباء أن إسرائيل تمد إثيوبيا بالأسلحة, استعدادا لحرب مع مصر؟
إسرائيل ليست بعيدة بأي حال, ونحن أقوي كثيرا, لكن لايجوز أبدا أن نشهر سلاحا في وجه أشقائنا دول الحوض. التفاوض والتعاون وتقديم المساعدة وسرعة الحركة وفق رؤية سليمة كفيل بإحداث اختراق ملموس, بل يمكن نجني أكثر مما نريد, لو تفاهمنا. إثيوبيا هي حصة مصر الحالية, إذ تزود النيل بنحو85% من إيراداته, أما جنوب السودان فهي حصة مصر المستقبلية, وهناك آفاق واسعة للتعاون بيننا وبينهم جميعا, وللأسف يتركز الوجود الإسرائيلي فيهما لضرب النفوذ والأمن القومي المصري والإضرار بمصالحنا والتنكيد علينا بكل الوسائل.
هل يهدف الإسرائيليون لتوصيل مياه النيل إليهم عبر ترعة السلام بسيناء أو شراء المياه؟
هذا من أخطر ما يمكن, وقد اتفقت دول النيل علي عدم توصيل مياهه خارج دول الحوض وهذا مبدأ مستقر دوليا, وأكثر من دولة عرضت أن تبيعنا جزءا من حصتها ونحن رفضنا, لأننا ضد تسعير المياه, وسنقف ضده بالمرصاد لخطورته.
هل فشلت' الدبلوماسية الشعبية' في ردم الفجوة بيننا وبينهم؟
لم تأت بنتيجة بل هم استغلوها, لكن ضخ استثمارات ومشروعات في هذه الدول شيء جيد.
وهل ينزعجون من وجود حكم' إسلامي' بالقاهرة؟
من حق أي شعب اختيار من يحكمه. وأظن إسرائيل تؤجج مخاوف الأفارقة من هذه الناحية.
ألا توجد أي' وساطة' تقرب المسافة بين الطرفين, خاصة من جانب واشنطن التي تحتفظ بعلاقات' استراتيجية' مع الجميع, و مقر قيادة قواتها الأفريقية' الأفريكوم' في القرن الأفريقي؟
وساطات كثيرة, قمنا برفضها, ربما خشية' تدويل' القضية, وأعلم أن وساطة أمريكية مازالت قائمة, أرجو أن نطورها ونقبل بها إذا كانت في مصلحتنا, علي قاعدة لا ضرر ولا ضرار, تجاه توفير التنمية لمصر وإثيوبيا.
كيف يؤثر الحضور الصيني والهندي والأوروبي والإيراني والتركي والاستثمارات الخليجية في المنابع علي موضوع المياه؟
هناك حضور قوي لتلك الدول وإن كان بنسب متفاوتة, مساحات شاسعة في حوض النيل يجري استثمارها لصالح دول أخري, وفق مبدأ بات معروفا يسمي' خطف الأرض'- توقف د.محمود أبوزيد برهة, ثم ابتسم بأسي, مواصلا- قلنا لإخواننا العرب إن استثماراتكم( الآن) قبل حل المشكلة خطر علينا, ونرحب بها بعد حلها, فلم يلتفتوا إلينا؟!!.
طرح بعض الخبراء التعاون مع الكونجو التي يلقي نهرها بنحو1000 مليار متر في المحيط الاطلنطي لحل الأزمة نهائيا؟
أنا أول من نبه إلي ذلك, وهناك سيناريوهات كثيرة وصعوبات أيضا, ومن المفارقات المحزنة, عندما كنت في الوزارة طلبت نحو13 مليون دولار, لدراسة نهر الكونجو ورفع خرائطه ومعرفة أفضل طرق استثماره, لمصلحة الكونجو ومصر وبقية دول الحوض, وللأسف لم تتجاوب الحكومة مع طلبي, وتركنا المجال لآخرين يفعلون ويعبثون في مجالنا الحيوي, علينا أن نفيق الآن من أجل المستقبل. أيضا في جنوب السودان هناك دراسات جاهزة للتنفيذ علي الفور, في بحر الغزال وبحر الزراف, حيث تهطل500 مليار متر مكعب أمطار, لا يأتينا منها سوي, نصف مليار ويضيع الباقي في المستنقعات.
تقصد مشروع قناة جونجلي؟
جونجلي وغيرها يمكن أن توفر18 مليار متر مبدئيا, كذلك مشروع جاهز للتنفيذ أيضا علي بعض الروافد في إثيوبيا يوفر12 مليار متر مكعب لإثيوبيا والسودان ومصر. مجالات التعاون هائلة, ومياه النيل لو أحسن استغلالها تكفي الجميع وتفيض, لاتوجد مشكلة حقيقية, إنما نحتاج تحركا سياسيا-فنيا رشيدا عاجلا..!!
ماذا عن تحلية المياه؟
تحلية المياه والتوسع في استخدام المياه الجوفية وترشيد الاستخدام بدائل لمواجهة الأزمة, لكن ينبغي ألا نترك مياه النيل البديل الأهم, لأنها تتوافر بكثرة ولا تستغل, بل أن نزيد حصتنا منها.
وقفت وراء مشروعات ضخمة اعتبرها البعض بلا عائد, كتوشكي وترعة السلام؟
هذا خطأ شديد, كيف نقول فشلت, هذه مشروعات أساسية للخروج من الوادي وعلينا إعطاؤها حقها واستكمالها سريعا, فالبنية الأساسية التي لم تستكمل حتي الآن مهددة بالدمار.
هل صحيح أن جمال مبارك كان وراء إقالتك من الوزارة؟
جمال مبارك وآخرون وبعض كبار المستثمرين كان لهم دور.
وما هو السبب؟
دعنا من هذا, فتلك أيام قد مضت.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق