بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، نوفمبر 1

نعم ولا

Share






توافق وطنى (نعم) .. إعلان دستورى (لا)

محمد البلتاجي


أضف تعليقك تعليقات : 0

آخر تحديث: السبت 20 أغسطس 2011 - 8:42 ص بتوقيت القاهرة






للمرة العاشرة يعود الحديث حول المبادئ (الحاكمة للدستور أو الفوق دستورية)، لكن الجديد هذه المرة أن مصدر الحديث هو نائب رئيس مجلس الوزراء وبعض قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وهو الموضوع الذى كان مثارا للجدل منذ تنحية الرئيس المخلوع حين تبنت بعض القوى السياسية فكرة بدء أعمال المرحلة الانتقالية بوضع دستور جديد، فى حين تبنت قوى سياسية أخرى فكرة بدء المرحلة الانتقالية بالانتخابات البرلمانية، وكان لكلا الفريقين مبرراته المنطقية التى لم تقنع الفريق الآخر من شركاء الثورة، فاختلفنا وقررنا الاحتكام للشعب وجاءت نتيجة استفتاء 19 مارس وهو أول ممارسة ديمقراطية (ليس فقط بعد الثورة بل ربما كان أول تجربة ديمقراطية حقيقية يمارسها الشعب المصرى منذ أكثر من ستين عاما) رغم ما سبقها وأعقبها من أخطاء تضمنتها تصريحات وتفسيرات ودعوات على الجانبين تبنت الحشد الدينى أو التخوين الوطنى لكن لا علاقة لها بسلامة إجراءات الاستفتاء الحر الذى شارك فيه أكثر من 18 مليون مصرى ليحسم الخلاف أن الأغلبية الشعبية قد اختارت الوصول للدستور من خلال البدء يالانتخابات البرلمانية وبآلية محددة .

وهى أن يشكل البرلمان هيئة صياغة نصوص الدستور الجديد ليتم عرضه على الشعب لاقراره أو رفضه، كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أعلن فى بيانه 13 فبراير وقف العمل بدستور 1971، لكن الاستفتاء الذى جاء على صورة تعديلات دستورية لمواد بأرقامها فى الدستور القديم أوحت للبعض أن الدستور القديم مازال ساريا، الأمر الذى أثار لغطا جديدا قام معه المجلس الأعلى باختيار نصوص بعينها من الدستور الموقوف العمل به وأضافها لمواد الاستفتاء وأضاف إليها مادتين جديدتين متعلقتين بدور وصلاحيات واختصاصات كل من مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقوات المسلحة فى المرحلة الانتقالية، وتم وضع هذه النصوص جنبا إلى جنب لتصدر فى إعلان دستورى صدر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتاريخ 30 مارس 2011، الواقع أن لدينا الآن استفتاء شعبيا من الضرورة الالتزام بنتائجه التى حددت شكل وترتيب اجراءات المرحلة الانتقالية بشكل قاطع كما حددت آلية واجراءات التعامل مع النصوص الدستورية الجديدة وإلا نكون قد أفسدنا أول تجرية ديمقراطية .

وأتحنا الفرصة لأى من الأطراف حين لا تعجبه نتائج الديمقراطية من خلال سابقة عدم الالتزام بنتائجها وهو أمر له من الخطورة ما له على مستقبل الممارسة الديمقراطية.

ندرك أن هناك حالة من الخلاف والانقسام والتخوفات المتبادلة بين الأطراف المختلفة والتصريحات والتصرفات المقلقة للأطراف من بعضها البعض تستوجب السعى لوثيقة توافق وطنى تؤكد على المبادئ الأساسية التى تعلن جميع الأطراف التزامها بها وهنا أؤكد ان حالة من النضج والرشد والواقعية والاحترام المتبادل والتفهم لمصطلحات الآخر قد فرضت نفسها بما يبدد كثيرا من المخاوف المتبادلة حيث استقر لدى أغلبية الأطراف السياسية رفض مفاهيم الدولة الدينية كما رفض مفاهيم الدولة العلمانية سواء بسواء، وصار الكثير من الإسلاميين يؤكد على مبادئ (المواطنة ــ المساواة ــ رفض التمييز ــ الحريات العامة ــ التعددية ــ حقوق الإنسان ــ سيادة القانون ومرجعية الدستور....) كما صار الكثير من غير الإسلاميين يؤكد على مبادئ (احترام مبادئ وثوابت وقيم الشريعة الإسلامية وكذلك الانتماء العربى والإسلامى للدولة المصرية).

ندرك أن هناك غلاة على الطرفين لكن تبقى القاعدة أن الشاذ لا يقاس عليه، وأن أخطاء البعض لا تحكم المشهد وأن مساحة القواسم المشتركة والتفهم لحقوق الآخر تزداد، وأن كثيرا من التوافق يمكن أن يتحقق إذا تلاشت صور الهيمنة والغلبة على المشهد من جانب وصور الاحتكار والوصاية من الجانب الآخر وندرك أن جزءا من هذه المشكلة له أبعاد سيكولوجية (نفسية)، وربما تكون هناك اطراف تسعى لاستمرار الأزمة وتعميق الانقسام بين الأطراف ولأسباب وأهداف متعددة.

نتفهم أهمية صدور وثيقة أو وثائق من هذا النوع (وثيقة توافق وطنى حول المبادئ الأساسية) تعلن الأطراف المختلفة التزامها بها بل سعيها لتحقيق هذه المبادئ ونشرها مما يبعث على الاطمئنان ويهيئ الأجواء للسير المشترك نحو استحقاقات المرحلة الانتقالية، (وقد صدرت عدة وثائق بهذا الصدد)، أما ان تصدر تلك المبادئ فى صورة إعلان دستورى جديد من طرف واحد دون الرجوع للشعب ودون تفويض منه لأحد بصياغتها وبالمخالفة لما حدده الشعب فى الاستفتاء ودون عودة إليه لإقرارها أو رفضها فهذا فيه من الخطورة ما فيه وهنا ينبغى التنبيه إلى أن إقرار مبدأ أحقية أى من الأطراف فى التصرف الدستورى دون الرجوع للشعب ودون التفويض منه.

هو ضرب للعملية الديمقراطية فى الصميم حتى وإن كان محتوى الوثيقة محل توافق وطنى، لأن الذى يملك إصدار مواد دستورية (متوافق على مضمونها) منفردا دون تفويض أو رجوع للشعب سيملك إصدار مواد أخرى (ليست محل توافق على مضمونها) يشكل منفردا دون الرجوع للشعب كذلك، ولا يبرر هذا أن الإعلان الدستورى السابق قد صدر دون استفتاء فالخطأ لا يبرر مزيدا من الأخطاء.

ملحوظة:

1ــ كنت قد كتبت مقالا نشر فى 15 مارس (قبل الاستفتاء بعدة أيام) تحت عنوان (تعديل على التعديلات الدستورية) اقترحت فيه أن يتضمن الاستفتاء المواد المتعلقة يصلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الفترة الانتقالية لتأخذ مشروعيتها من موافقة الشعب عليها، ليستقر فى المشهد السياسى المصرى بعد الثورة مبدأ (السيادة للشعب) و(الشعب مصدر السلطات) وضرورة (احترام الإرادة الشعبية والالتزام بنتائجها والوقوف عندها).

2 ــ ليس فى الصلاحيات المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى الأول (وهى عشر صلاحيات للمجلس الأعلى للقوات المسلحة جاءت فى المادة 56 على سبيل الحصر وثمانية صلاحيات لمجلس الوزراء جاءت فى المادة 57 على سبيل الحصر كذلك) أية صلاحية تتعلق بالنصوص الدستورية.

أخيرا: جميل أن يدعو الأزهر الشريف جميع القوى والأحزاب السياسية ومرشحى الرئاسة لاجتماع تم فيه التوافق على مجموعة المبادئ الأساسية بما يؤكد التوافق الوطنى وبيدد المخاوف المتبادلة ويهيئ الأجواء للسير المشترك نحو استحقاقات المرحلة الانتقالية، شريطة ألا تتحول هذه المبادئ إلى وثيقة دستورية يكون صدوررها بشكل منفرد ــ دون الرجوع للشعب ولا تفويض منه وبالمخالفة لنتيجة الاستفتاء وبالمخالفة للصلاحيات المنصوص عليها فى الإعلان السابق ــ هو أكبر طعنة فى التجربة الديمقراطية الوليدة.. 17/8/2011

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق