بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، نوفمبر 27

قضايا واراء - معرفة الدين أولا

قضايا واراء - معرفة الدين أولا تعريف الدين: لعل أشيع التعريفات وأوسعها قبولا, هو التعريف الذي يري الدين مظهرا من مظاهر المنظومة الرمزية التي تشكل تجربة الإنسان الروحية والوجدانية. وخير من عبر عن هذه النظرة من الفلاسفة المعاصرين هو الفيلسوف الأمريكي جون ديوي في كتاب له بعنوان( الإيمان الشائعCommonFaith), قابل فيه بين( الدينReligion) وما هو دينيReligious مقابلة ذات أهمية في سياق تعريف الدين. يلمس ديوي في البداية أن هناك فكرة واحدة تربط بين تعريفات الدين علي اختلافها, هذه الفكرة هي التوحيد ما بين( الديني) من جهة و(الخارق للطبيعةSuper-Natural) أو الغيبي من جهة أخري. وهو يرفض هذا التوحيد, ويتبني مفهوما آخر يعزل فيه عنصر الخارق للطبيعة عن هذه التجربة مع كل ما يرتبط بهذا العنصر ويدور حوله; وكأنه أراد بهذا أن يحرر( الديني) من الثقل الذي كان يبهظه في ارتباطه بالغيبي أو الخارق للطبيعة. يبني ديوي هذا العزل, علي أن الديني لا يشير إلي شأن يمكن أن يوجد مستقلا بذاته, ولا إلي موضوع يمكن أن ينتظم في صيغة خاصة محددة من صيغ الوجود. إنه يشير فحسب إلي اتجاهات نوعية محددة إزاء أي موضوع أو هدف أو فكرة محددة. ويعترف ديوي بأنه يهدف من وراء ذلك التمييز الذي فصل فيه بين الدين وما هو ديني, إلي أن يبين ما الذي يمكن أن يحدث عندما ننظر إلي التجربة الدينية علي أنها تجربة فريدة من نوعها; وهو اكتشاف ما لهذه التجربة من طابع نوعي حقيقي يكمن في الأثر الذي ينتج عنها لا في موضوعها, كما يكمن في التوافق أو التكيفAdjustment الأمثل الذي تهيؤه للفرد في الحياة. ليس موضوع القضية الذي ترتبط به التجربة الدينية هو المعيار أو المحك الذي يمنحها الصفة الدينية, ولكن الكيفية التي تقع بها هذه التجربة, والوظيفة التي تؤديها, هما اللتان تحددان طابعها الديني. إن التجربة الدينية علي هذا النحو الذي عرفها به ديوي لم تعد مقيدة بموضوع محدد مفروض عليها قبلا, سواء كان هذا الموضوع دينيا أو لم يكن; فنحن نستطيع أن نمر بالتجربة الدينية من خلال موضوعات شتي متباينة, فهي تجربة يمكن أن يثيرها إخلاص لقضية ما تلهب فينا حماسة عاطفية منقطعة النظير( انظر مثلا إلي الحماسة الجارفة لمشجعي كرة القدم!), كما يمكن أن تثيرها قصيدة من الشعر تفتح أمامنا آفاقا جديدة, أو حتي يمكن أن يثيرها تأمل فلسفيPhilosophicalReflection, تماما كما حدث للفيلسوف سبينوزا الذي اعتبروه مع ذلك ملحدا! ومن بعده الفيلسوف نيتشه. وعند هذه النقطة التي يحرر فيها ديوي التجربة من عبء التقيد بموضوعات وعقائد إيمانية محددة, يلتقي مع فيلسوف آخر وهو جورج سنتيانا. نظر سنتيانا إلي الدين في إطار من فلسفته العقلية التي سعت إلي البحث عن تجليات العقل في كل من المجتمع والحس المشتركCommonSense والدين والفن, فوجد أن هناك مفارقات أساسية تفصل في الدين بين هدفه العقلاني من ناحية; ونتائجه غير العقلانية من ناحية أخري. وتساءل عن سر هذه المفارقة فوجد أن الدين يسعي إلي العقلانيةRationality من خلال الخيال, إذ بينما يفسر الوقائع الطبيعية, يقدم بديلا خياليا للعلم; وبينما يشرح المفاهيم الخلقية ويسن التعاليم, يقدم بديلا خياليا للحكمة; وبهذا تكون أوضاع الحياة وأهدافها ممثلة جميعا في الدين تمثيلا شعرياPoetically, ولكن المشكلة تبدأ حين ننظر إلي هذا التمثيل الشعري الرمزي, علي أنه حقائق حرفية كحقائق العلم. وما يميز نظرة سنتيانا إلي الخبرة الدينية هو التفرقة بينها وبين الخبرة العلمية; ففي مجال العلم لا مكان للتناقضContradiction في الخبرة, بينما التناقض مقوم أساسي من مقومات الخبرة الدينية في تأويلها الشعري الذي قدمه سنتيانا, حيث لا يعني التناقض هنا سوي التنوع والعفوية وخصوبة المصادر وثراء الينابيع. وفي مقال لاحق نشره سنتيانا عام1963, بلور أفكاره هذه في اتجاه يلتقي مع أنصار الديانة الطبيعية, وأيضا مع بعض عناصر التأويل النفسي للخبرة الدينية, فالدين عنده ينبثق من عقل متيقن واثق من أهدافه ولكن عاجز عن متابعتها دون مساندة تأتيه من الخارج. إنه نداء النفس البشرية إلي السماء طلبا للمساعدة والإرشاد, والطمأنينة تكمن في أمل الإنسان في أن مثل هذه المساعدة ممكنة, والشكر يجب حين تبدو مثل هذه المساعدة بصورة استثنائية نوعا ما, وكأنها آتية فعلا. اقترب سنتيانا في هذا التطور من فكرة برتراند راسل التي قرر فيها أن الخوف هو مصدر الخبرة الدينية; ولكنه ظل يحتفظ بالطابع الخيالي والشعري في صميم هذه الخبرة; فهذا الطابع هو الذي يزود الإنسان بالقلق الخصب والتوتر الخلاق كلما آلت تجربته الروحية إلي جمود; ولهذا كان الإلحاد أو إنكار الدين مرفوضا عنده, يقول: أنا لا أعتقد أن الروح بحاجة إلي إقلاق ذاتها في مخاصمة الدين المألوف, القديم منه أو الحديث, وسواء كان أسطوريا أو منزلا في كتب مقدسة, فالروح في الأساس شاعرة, ولذا ينبغي أن تكون رفيقة بأعمالها الخاصة. غير أن رافعي الشعارات الدينية عندنا لا يريدون لنا أن نعمل عقولنا في فهم الدين علي العموم, قبل أن نتعمق الإسلام أو المسيحية; إنهم لا يريدوننا إلا مجرد رؤوس في قطيع, يسوقوننا فننساق أو يقودوننا فننقاد! المزيد من مقالات حسن طلب

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق