بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، أكتوبر 6

هل يعود العالم إلى نظام الذهب؟

هل يعود العالم إلى نظام الذهب.. ماهو نظام الذهب الجزء الأول

تتزايد اليوم الأصوات التي تطالب بالعودة إلى نظام الذهب عبر دول العالم كافة، اعتقادا منهم بأن العودة إلى نظام الذهب هي الحل لما يعانيه العالم من أزمات مالية واقتصادية، وهي السبيل الوحيد للحد من الضغوط التضخمية الناشئة عن الإفراط في إصدار النقود القانونية، وللمساعدة على الحد من نمو الديون السيادية،

فضلا عن ضمان الاستقرار الاقتصادي الذي يمكن أن يسود العالم إذا ما عاد إلى هذا النظام. آخر هذه المطالبات أطلقها روبرت زوليك رئيس البنك الدولي الذي اقترح أن يتم ربط الاقتصاد العالمي بالذهب كمثبت، للمساعدة على استقرار العملات، وتخفيض التوقعات التضخمية في الأسواق المالية العالمية، حيث دعا مجموعة العشرين إلى أن تدرس استخدام الذهب كنقطة مرجعية دولية لتوقعات الأسواق حول التضخم والانكماش وقيمة العملات، مؤكدا أنه على الرغم من أن الذهب يعد من العملات القديمة إلا أنه ما زال يستخدم حتى اليوم كأصل مالي بديل. في مقال اليوم نتناول مفهوم نظام الذهب ثم نناقش في مقالات لاحقة ما إذا كان من الممكن أن يعود العالم إلى هذا النظام أم لا.

من الناحية التاريخية أخذ نظام الذهب أشكالا عدة أطلق على جميعها قاعدة أو نظام الذهب Gold Standard، أولها من الناحية التاريخية هو النقود الذهبية، أو النقود المعدنية الذهبية، ووفقا لهذا النظام كان يتم سك (صنع) النقود من الذهب كعملة معدنية يتم استخدامها في التداول، على أن يتم السك على أساس وزن محدد من الذهب، أو ما يطلق عليه المحتوى المعدني أو الذهبي للعملة Gold content، والذي على أساسه يتحدد معدل صرف عملة الدولة بعملات الدول الأخرى. على سبيل المثال إذا كان الجنيه الاسترليني يحتوي على خمسة جرامات من الذهب، والدولار الأمريكي على جرام واحد، فإن معدل صرف الجنيه الاسترليني بالدولار الأمريكي يصبح خمسة دولارات لكل جنيه، ومن الناحية العملية فإن معدل الصرف هذا لا يتغير طالما أن وزن العملتين ثابت. ومن الواضح أنه وفقا لهذا النظام لن تتمكن أي دولة من سك وحدة إضافية من عملتها المحلية قبل أن يتكون لديها زيادة في كميات الذهب بالوزن اللازم لعملية السك. بمعنى آخر وفقا لهذا النظام ستتوقف قدرة السلطات النقدية على إصدار النقود على ما هو متاح لديها من ذهب.
غير أنه لاعتبارات عملية أهمها صعوبة حمل ونقل النقود في صورتها المعدنية، فضلا عن فقدان الوزن الذي تتعرض له العملات المعدنية نتيجة تداولها بين أيدي الأفراد، والذي يمثل خسارة في رصيد الدولة من الذهب، تضيع في صورة تحات يحدث للعملات نتيجة استخدامها في التعامل وانتقالها من يد إلى أخرى، فقد أخذت البنوك المركزية لدول العالم في إصدار النقود في صورة ورقية والاحتفاظ بالذهب في صورة سبائك في مخازن البنك المركزي، حيث يقدم الذهب لمن يطلب استبدال النقود الورقية وذلك على أساس المحتوى المعدني للنقود أو ما يطلق عليه قيمة التعادل Par Value.

ويقوم هذا النظام الذهب على مجموعة من الخصائص هي كالآتي:

- أن تحدد كل دولة المحتوى المعدني لعملتها الوطنية، والذي على أساسه تتحدد العلاقة بين الكميات التي تصدرها من عملتها الوطنية والرصيد المتاح لسلطاتها النقدية من سبائك الذهب.
- لا يتحدد معدل صرف العملات ببعضها البعض من خلال قوى العرض والطلب على العملات في سوق النقد الأجنبي، وإنما يتحدد على أساس الوزن النسبي للعملات في مقابل بعضها البعض، وبالتالي فإن ارتفاع قيمة عملة ما مثل الدولار يتم من خلال قناة واحدة فقط، هي زيادة المحتوى المعدني للدولار، بينما تنخفض قيمة عملة ما عندما يتم تخفيض المحتوى المعدني فيها.
- يقف البنك المركزي للدولة على أهبة الاستعداد في أي وقت لتحويل ما يقدم إليه من نقود ورقية إلى سبائك ذهبية، أو ما يقدم إليه من ذهب إلى نقود ورقية وذلك على أساس معدل التحويل الذي يعكس المحتوى الذهبي للعملة أي قيمة التعادل. غير أنه من الناحية العملية كان هناك قيود على الحد الأدنى لعمليات التحويل، على سبيل المثال، كان الاحتياطي الفيدرالي يشترط لتحويل الدولار إلى ذهب ألا تقل الكمية المحولة عن 400 أوقية من الذهب، أي تحويل 14 ألف دولار كحد أدنى (بمعدل تحويل 1 أوقية من الذهب / 35 دولارا، وهي قيمة التعادل وفقا لنظام بريتون وودز).
- حرية تصدير واستيراد الذهب بين دول العالم دون أي قيود تحد من انتقال الذهب من دولة إلى أخرى، وذلك لكي تتمكن الدول التي تحقق فوائض في ميزان مدفوعاتها من تحصيل هذا الفائض في صورة سبائك ذهبية، والدول التي لديها عجز في ميزان مدفوعاتها من دفع هذا العجز في صورة سبائك ذهبية، أو لتمكين الأفراد والشركات الذي تتراكم لديهم عملات ورقية لدول أخرى من إرسالها إلى البنوك المركزية التي أصدرتها وتحويلها إلى ذهب، أو تمكين الأفراد والشركات الذين يرغبون في الحصول على عملات دول أخرى من الحصول عليها من خلال إرسال سبائك الذهب إلى البنوك المركزية لتلك الدول واستبداله بالعملات الورقية.

لقد مكن هذا النظام دول العالم من ضمان استقرار المتغيرات الاقتصادية الكلية الآتية:
1- عرض النقود، إذ لن تتمكن الحكومات إلا من طبع كمية النقود التي تتوافق مع رصيدها من الذهب، نتيجة عدم قدرتها على استخدام السياسة النقدية لطبع المزيد من النقود، لكي تغطي إنفاقها العام الذي يزيد على إيراداتها، بصفة خاصة الضريبية.

2- المستوى العام للأسعار، ذلك أن ربط العملة بأصل ثابت مثل الذهب سيحمي العملة من مخاطر التلاعب في قوتها الشرائية بواسطة الحكومات، ذلك أن تقييد قدرة الحكومات على زيادة الأساس النقدي بكمية الذهب المتاحة فقط، يمكن الحكومات من السيطرة على معدلات التضخم.

3- معدل صرف العملة المحلية بالعملات الأجنبية، لأن هذا المعدل، كما سبق أن أشرنا، يتحدد بالوزن، كما أن أي ضغوط في سوق النقد الأجنبي على العملات نحو الارتفاع أو الانخفاض كان يتم التغلب عليها من خلال تصدير أو استيراد الذهب. معنى ذلك أن نطاق التقلبات في قيمة العملات في سوق النقد الأجنبي كان يتم في حدود تكلفة نقل الذهب وإعادة سكه إلى عملات ورقية والعكس. وللتوضيح بصورة أكبر، فإن الدولار الأمريكي كان يحتوي على 23.2 حبة ذهب grains of gold (الجرام يحتوي على 15.43 حبة ذهب)، بينما كان يحتوي الجنيه الاسترليني على 113 حبة ذهب، على هذا الأساس يصبح معدل صرف الجنيه الاسترليني بالدولار الأمريكي هو 4.87 دولار لكل جنيه، وهو نفس العلاقة بين الوزن المعدني للعملتين. وبما أن تكلفة سك الجنيه الاسترليني ونقل الذهب اللازم لذلك من نيويورك إلى لندن والعكس كانت تقدر بنحو ثلاثة سنتات، فإن معدل صرف الاسترليني بالدولار كان لا يتجاوز 4.87 دولار (قيمة التعادل) مضافا إليها أو مطروحا منها ثلاثة سنتات (تكلفة النقل والسك لكل جنيه استرليني من نيويورك إلى لندن والعكس)، كحدود لتقلب معدل صرف الاسترليني بالدولار.

هذا الاستقرار الشديد في معدل صرف العملتين ينبع من خصائص نظام الذهب على النحو التالي؛ إذا فرضنا أن الطلب على الاسترليني تزايد في الولايات المتحدة بحيث تجاوز معدل صرف الاسترليني بالدولار حاجز الـ 4.90، فإن المتعاملين في الولايات المتحدة سيفضلون في هذه الحالة إرسال سبائك الذهب إلى البنك المركزي في لندن وتحمل ثلاثة سنتات لكل جنيه استرليني (تكاليف نقل وسك الذهب إلى جنيه استرليني) والحصول في مقابل ذلك على الجنيه الاسترليني من لندن عند سعر تعادل 4.87 دولار، إضافة إلى ثلاثة سنتات تكلفة النقل والسك، وهو ما يضمن أن معدل صرف الاسترليني بالنسبة للدولار لن يتجاوز 4.90 دولار، ويطلق على معدل صرف 4.90 دولار للاسترليني نقطة تصدير الذهب (أي بدء تصدير الذهب إلى لندن والحصول على الاسترليني في مقابله). من ناحية أخرى إذا انخفض الطلب على الاسترليني، حيث انخفض معدل صرف الاسترليني عن حاجز الـ 4.84 دولار للجنيه، في هذه الحالة سيفضل المتعاملون في الولايات المتحدة جمع الجنيهات الاسترلينية في نيويورك ونقلها إلى البنك المركزي في لندن وتحمل ثلاثة سنتات لكل جنيه وتحويل الجنيهات إلى ذهب عند سعر تعادل 4.87، ثم نقل السبائك الذهبية إلى نيويورك مرة أخرى، وبمقتضى هذه العملية تكون تكلفة التخلص من كل جنيه استرليني هي 4.84 دولار، ويطلق على معدل صرف 4.84 دولار نقطة استيراد الذهب (أي بدء استيراد الذهب من لندن من خلال إرسال الجنيهات الاسترلينية لتحويلها إلى ذهب). بهذا الشكل ستكون حدود التقلب في معدلات الصرف بين العملتين ضيقة للغاية وتقع بين نقطتي تصدير واستيراد الذهب اللتين تمت الإشارة إليهما.

4- توازن الميزان التجاري للدول، ذلك أن أي دولة يتحقق لديها فائض مثل الصين في مواجهة الولايات المتحدة، ستحصل على قيمة هذا الفائض في صورة سبائك ذهبية، وعندما تدخل السبائك الذهبية إلى الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي الصيني، فإن عرض النقود في الصين يتزايد نتيجة لذلك، وتؤدي زيادة عرض النقود في الصين إلى ارتفاع الأسعار لديها، وهو ما يقلل من قدرتها التنافسية، حيث سيقل الطلب في الولايات المتحدة على الصادرات الصينية، ويتلاشى الفائض مع الولايات المتحدة نتيجة لذلك. أما بالنسبة للدولة التي تواجه عجزا في ميزانها التجاري (الولايات المتحدة) فإن دفع قيمة العجز بسبائك الذهب لا بد أن يتبعه سحب كمية من النقود الورقية بما يعادل قيمة السبائك التي تم إرسالها للصين، وهو ما يؤدي إلى انخفاض عرض النقود في الولايات المتحدة. ويؤدي انخفاض عرض النقود إلى انخفاض الأسعار وهو ما يرفع من القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية فيزداد الطلب عليها ويقل العجز نتيجة لذلك.

5- توازن الميزانية العامة للدولة، ذلك أن قدرة الدولة على الإنفاق ستتحدد بما تحصل عليه من ضرائب من الأفراد وقطاع الأعمال، ولا يمكن للدولة أن تحقق عجزا وتقوم بتمويل هذا العجز من خلال طبع النقود، أو ما يطلق عليه التمويل التضخمي، لأن طبع النقود، مرة أخرى، مقيد بالكمية المتاحة من الرصيد الذهبي.

6- حجم الدين العام للدولة، حيث لا تستطيع الدولة الاستمرار في إصدار سندات حكومية والاقتراض من الأفراد متجاوزة بذلك حدود الرصيد الذهبي لديها، حيث سيفقد الأفراد الثقة في العملة ويسارعون إلى تحويلها إلى ذهب، معنى ذلك أن الدولة التي تواجه زيادة في نفقاتها على إيراداتها لا يوجد أمامها سوى خيارين، الأول وهو زيادة الضرائب، والآخر وهو تخفيض الإنفاق العام.

لاحظ أن عرض النقود ومعدل التضخم ومعدل صرف العملة ومستوى الدين العام تتحدد جميعا بالرصيد الذهبي للدولة، وهو ما يؤكد الدور المحوري الذي كان يلعبه الذهب في اقتصاديات العالم في ظل هذا النظام.
هذا الشكل من نظام الذهب أو قاعدة الذهب تم العمل به حتى عام 1931، وذلك عندما قامت بريطانيا العظمى (في ذلك الوقت) بقطع العلاقة بين الجنيه الاسترليني والذهب، إثر فشل محاولتها للعودة إلى نظام الذهب. وكانت دول العالم قد توقفت عن تبني نظام الذهب بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، نتيجة للحاجة إلى استخدام أرصدتها الذهبية في الإنفاق على الحرب.
عندما انتهت الحرب العالمية الثانية اجتمعت دول العالم بقيادة الولايات المتحدة لمناقشة كيفية العودة إلى نظام الذهب مرة أخرى، وذلك لضمان الاستقرار النقدي والاقتصادي اللذين افتقدهما العالم خلال فترة ما بين الحربين نتيجة هجر نظام الذهب. وقد تمخض الاجتماع عن إنشاء نظام جديد يعد نسخة معدلة لنظام الذهب أطلق عليه نظام بريتون وودز (نسبة إلى المنتجع الذي عقد فيه المؤتمر)، والذي هو في حقيقته نظام لربط العملات بالذهب من خلال الدولار الأمريكي، أما أسس هذا النظام فهي كالآتي:

1- تقوم كل دولة بتحديد معدل صرف ثابت بين عملتها والدولار، يطلق عليه سعر التعادل، وتلتزم كل دولة بالدفاع عن هذا المعدل، حيث لا ترتفع عملتها الوطنية أو تنخفض أمام الدولار إلا في حدود نسبة 1.25 في المائة ارتفاعا وانخفاضا، وإذا حدث أن كانت هناك حاجة لرفع أو خفض قيمة العملة بأكثر من هذه النسبة، فإن على الدولة أن تتفاوض مع صندوق النقد الدولي حول نسبة التخفيض وشروط تحقق ذلك. بمعنى آخر تحولت مهمة تثبيت قيمة العملات بالنسبة للدولار إلى دول العالم وليس للولايات المتحدة.

2- يمكن لدول العالم في مقابل ذلك أن تستخدم الدولار الأمريكي كعملة احتياط أي كغطاء (بدلا من الذهب) لإصدار ما تحتاج إليه من عملاتها الوطنية، فإذا احتاجت تلك الدول إلى الذهب فيمكنها أن ترسل احتياطياتها الدولارية إلى الولايات المتحدة ليتم استبدالها بالذهب.

3- تلتزم الولايات المتحدة بالحفاظ على معدل صرف ثابت بين عملتها والذهب عند سعر تعادل 35 دولارا للأوقية، وتقوم بتوفير ما يحتاج إليه العالم من دولارات عند هذا المعدل الثابت.

4- تلتزم الولايات المتحدة بتحويل ما يقدم إليها من دولارات إلى ذهب عند معدل الصرف الثابت (35 دولارا للأوقية من الذهب) لكل من يطلب ذلك من دول العالم وفي أي وقت وتحت أي ظرف من الظروف.

5- تلتزم دول العالم بألا تتكالب على الذهب حتى تسمح لدولة المركز (الولايات المتحدة) أن تحتفظ بكميات كافية منه لاستيفاء احتياجات العالم من الاحتياطيات الدولارية اللازمة لتغطية إصدارها من النقود، وحتى يتم الحفاظ على استقرار سعر الذهب.

نتيجة لتطبيق النظام، شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ندرة كبيرة جدا في الدولار الأمريكي، بسبب تحقيق الولايات المتحدة فائضا كبيرا في ميزانها التجاري، وهو ما شجع الولايات المتحدة إلى تعمد أن يكون لديها عجز في ميزانها التجاري وتمويل هذا العجز بسهولة من خلال طبع الدولار نظرا لتكالب دول العالم عليه، ولذلك أطلق على هذه الفترة ندرة الدولار Dollar shortage، كان عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في البداية ضرورة أساسية لضمان قيام النظام بتوفير السيولة اللازمة للدول الأعضاء، أي لكي يتم توفير احتياجات العالم من عملة الاحتياط. غير أن استمرار العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي أدى إلى تراجع الثقة في عملة الاحتياط العالمية، في الوقت الذي بدأت فيه أسعار الذهب في السوق الحر تميل نحو الارتفاع، حتى بلغ سعر الأوقية نحو 40 دولارا، وهو ما يعني وجود سعرين للذهب، السعر الرسمي (35 دولارا للأوقية) وسعر السوق. إذا تركت الأمور هكذا دون تدخل فإن السعر الحر للذهب لا بد أن يضغط على السعر الرسمي نحو الارتفاع، وهو ما يعني انخفاض قيمة الدولار، وكاستجابة لهذه الضغوط اتفقت الولايات المتحدة مع سبع دول أوروبية لإنشاء ما يسمى بمجمع الذهب Gold pool، بهدف توفير كميات كافية من الذهب للسوق الحر لوقف الارتفاع في سعر الذهب بما يتوافق مع قيمة التعادل مع الدولار، غير أنه على مدى الفترة من 1961 إلى 1968 فشل مجمع الذهب في أن يمنع الضغوط على سعر الذهب نحو الارتفاع فتم إلغاء المجمع في آذار (مارس) 1968.

استمر عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في التزايد مع نشوء قوى اقتصادية جديدة في العالم، بصفة خاصة الاتحاد الأوروبي واليابان، ودخول الولايات المتحدة حرب فيتنام، وبنهاية الستينيات كان من الواضح أن الدولار الأمريكي مقوم بأعلى من قيمته الحقيقية، بينما كان كل من الين الياباني والمارك الألماني مقومين بأقل من قيمتهما الحقيقية، وقد قاومت كلتا الدولتين رفع قيمة عملتيهما في مقابل الدولار للحفاظ على نمو صادراتهما، في الوقت الذي حاولت الولايات المتحدة فيه الحفاظ على قيمة الدولار من الانخفاض للحفاظ على استمرار الثقة بالنظام، فاستمرت عمليات تحويل الدولار إلى ذهب، ومعها تراجع الرصيد الذهبي للاحتياطي الفيدرالي بصورة كبيرة، في الوقت الذي استمر فيه عجز الميزانية في التزايد.

بحلول عام 1970 أخذ عجز ميزان المدفوعات في التزايد بصورة كبيرة، وكذلك عجز الميزانية وأخذت الولايات المتحدة في طباعة المزيد من الدولارات متجاوزة بذلك التزاماتها وفقا لاتفاقية بريتون وودز، ويوما بعد يوم كان الرصيد الذهبي للولايات المتحدة يتراجع بالنسبة إلى الكميات المصدرة منه، ومن ثم أخذت الثقة بقدرة الولايات المتحدة على ضبط عجزها المزدوج (في الميزانية وميزان المدفوعات) في التراجع، ومع تزايد الضغوط على الدولار، وزيادة طلبات تحويل الدولار إلى ذهب، وانخفاض رصيد الولايات المتحدة من الذهب إلى مستويات قياسية، بدا من الواضح أن الدولار الأمريكي مقدم على كارثة، وفي آب (أغسطس) 1971 قام الرئيس نيكسون بإعلان توقف الولايات المتحدة عن تحويل الدولار إلى ذهب، ليعلن انتهاء نظام الذهب من حياتنا حتى هذه اللحظة.

بعد عدة أشهر تم رفع السعر الرسمي للذهب إلى 38 دولارا للأوقية، وهو ما أدى إلى خفض قيمة الدولار بنسبة 8 في المائة تقريبا، مع توسيع نطاق تقلب معدلات صرف عملات الدول بالنسبة للدولار في حدود 2.25 في المائة ارتفاعا وانخفاضا، وفي عام 1973، تم رفع السعر الرسمي للذهب مرة أخرى إلى 42 دولارا للأوقية، وهو ما أدى إلى انخفاض آخر في قيمة الدولار، وهو آخر سعر رسمي تم تحديده للذهب، حيث تم دفن النظام بصورة رسمية بمقتضى اتفاقية جاميكا 1976، والتي سمحت لدول العالم بتحرير معدلات صرف عملاتها، وانطلاق نظام التعويم للعملات الذي نعيشه اليوم بصورة رسمية.
أ.د. محمد إبراهيم السقا

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق