بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 24

قضايا واراء - الثورة والتغيير

قضايا واراء - الثورة والتغيير
الثورة والتغيير بقلم: د.عبد المنعم سعيد 4/24/2011
د.عبد المنعم سعيد
913
عدد القراءات
علي مدي قرن ونصف قرن تقريبا منذ بداية الدولة المصرية الحديثة كان القانون الأساسي للسياسة المصرية هو قيام الإصلاحيين‏,‏ والحركات الإصلاحية المختلفة‏,‏

بتطوير الحياة المصرية في اتجاه الحداثة, وإدخال جماعات متزايدة العدد إلي الحياة الحديثة, سواء كان ذلك من حيث أنماط الإنتاج أو العمل أو الاستهلاك. وبعد أن كانت أعداد المصريين تتناقص منذ نهاية العصور الفرعونية, حيث انهارت من قرابة عشرة ملايين نسمة إلي مليونين ونصف مليون في نهاية القرن الثامن عشر. ولكن الحياة تغيرت, ومع جهود الإصلاحيين المختلفة ارتفع عدد السكان عند نهاية القرن التاسع عشر إلي عشرة ملايين نسمة, ومع منتصف القرن العشرين أصبح عشرين مليونا أو أكثر قليلا عند نشوب ثورة23 يوليو1952 التي واجهت عجز النظام السياسي عن استيعاب الطاقات البشرية والمعنوية المتزايدة للمصريين, التي جعلت مصر من زاوية كل المؤشرات المعروفة أكثر تقدما من تركيا وكثير من الدول الآسيوية, وتماثل تقريبا العديد من دول جنوب أوروبا. كانت وسيلة الثورة هذه المرة الجيش الذي بدأ بأمره حركة مباركة, ثم صارت مع الأيام ثورة مقدسة يتبناها الشعب ويمتد لهيبها إلي بقية العالم العربي وإفريقيا والعالم الثالث. ورغم أن برنامج الثورة الأساسي اعتمد في جوهره علي برنامج المصلحين المصريين بما فيه الإصلاح الزراعي وتعميم مجانية التعليم حتي المرحلة الجامعية والسعي نحو تصنيع مصر, ومن ثم زيادة حجم الطبقة العاملة وتأثيراتها علي التركيبة الاجتماعية المصرية; فإن الواقع السياسي لكل ذلك قام علي استبعاد الإصلاحيين, وكل من كانت لهم علاقة بالنظام القديم, واستبدال بكل هؤلاء جماعة جديدة لم تعرف السياسة من قبل وتقوم علي التكنوقراط الذين تولدوا من الجامعات المصرية الحديثة, وسياسات البعثات التي أرسلت إلي الجامعات الأجنبية, وصاحبتهم جماعة أخري من البيروقراطيين العسكريين الذين أصبحوا من المدنيين مع طائفة مدنية كانت جاهزة لخدمة النظام الجديد كما خدمت النظام القديم. وعلي مدي عقدين من الزمان تقريبا اختفي الإصلاحيون تقريبا من الحياة السياسية المصرية, اللهم إلا من كتابات قليلة تم تسريبها إلي الرأي العام, أو بين سطور الروايات والمسرحيات والقصص, إذ حاولت الثورة أن تجعل الشعب المصري كلا في واحد بالمعني الحرفي للكلمة. وكان هذا الواحد أولا هو الزعيم جمال عبد الناصر الذي قاد البلاد منذ عام1952 مع صحبة الأحرار, ثم بعد ذلك منذ1954 بصورة شبه منفردة حتي مماته عام1970, ورغم أن تاريخ هذه الفترة مفعم بالتغيرات والأحداث المختلفة, فإن الزعيم سرعان ما أضيفت له صفات أخري مثل الخالد والملهم, ولم يكن ذلك نوعا من إطلاقات الجماهير علي قائدها الذي أحبته كما لم تحب زعيما آخر, بل كان صفة علمية نقلها لنا الأستاذ محمد حسنين هيكل علي لسان وزير الخارجية محمود فوزي الذي عند استشارته في أمر من أمور السياسة الخارجية لم يجد ما يقوله إلا أن ذلك من أمور الزعماء الملهمين الذين تأتيهم الحكمة من نوع خاص. وربما دون قصد منهما ـ محمود فوزي ومحمد حسنين هيكل ـ دخل عبد الناصر العظيم إلي مكانة الأنبياء والمرسلين. وكان هذا الواحد ثانيا هو التنظيم السياسي الذي بدأ تحت اسم هيئة التحرير ثم أعقبها الاتحاد القومي وأخيرا جري اختتام الأمر كله بقيام الاتحاد الاشتراكي العربي. والحقيقة أنه مهما تعددت الأسماء والأشكال فقد كانت الفكرة واحدة وهي اعتقال السياسة كلها, بما فيها الثورة أو الإصلاح, داخل إطار واحد له منظومته الفكرية, وتنظيمه الهرمي, وقدرته التعبوية. وببساطة لم يعد الشعب المصري جماعات وطبقات اجتماعية, وأسواقا سياسية وفكرية واقتصادية, وإنما صار واحدا وراء الزعيم والدولة التي ينتظم فيها التكنوقراط والبيروقراط في طابور طويل ينتظر اليوم الذي يصعد فيه إلي أعلي السلم السياسي. ولم يكن هناك صدفة أن عمليات التصعيد هذه خلقت شخصيات تاريخية استمرت عبر العصور المختلفة حتي وصلت إلي العصر الحالي. مادام لم يكن هناك كثير من الأفكار أو التوجهات أو الحوارات والنقاشات, ويكفي الجميع في مرحلة كتاب فلسفة الثورة, أو الميثاق الوطني, أو كتابات الأستاذ محمد حسنين هيكل, فإن جماعة في الطابور الطويل استمرت في السلطة السياسية أو قريبة منها علي مدي العقود الستة الماضية. وكان هذا الواحد ثالثا هو ما جري من عملية تأميم لكل مصادر الفكر والتفكير في الدولة كلها. وربما كان المثال الأقرب لكل ذلك هو قانون تأميم الصحافة عام1960, الذي أباد كل الصحافة الخاصة في مصر, وركزتها في الدور الصحفية الكبري الثلاث ـ الأهرام والأخبار والجمهورية ـ ومعها صارت الإذاعة والتليفزيون الأقوي في العالم العربي, وربما العالم الثالث كله. وسرعان ما كان لهذا الواحد الجديد نجومه الساطعة, ومع ضيق الساحة وقدرتها علي توليد طاقات وأفكار جديدة ومختلفة كان طبيعيا أن يكون هناك مجموعة محدودة من النجوم الساطعة القادرة علي بلورة أفكار النظام ومنها كان الأستاذ محمد حسنين هيكل في الصحافة, والأستاذ أحمد سعيد في الإذاعة, والأستاذ حمدي قنديل في التليفزيون, وقلة قليلة أخري أصبحت كلها من أصحاب القامات الطويلة في النظام وخارجه في العالم العربي حتي في العالم كله منادية بالوحدة العربية والاشتراكية والحرية للشعوب والأمم من خلال زعيم واحد, وتنظيم سياسي واحد, وإعلام واحد. وكان هذا الواحد رابعا في عالم الاقتصاد هذه المرة حيث جرت حركة للتمصير تم بها إخراج الأجانب ـ ومعهم خبراتهم ـ من الاقتصاد المصري, وبعدها جرت حركة التأميمات الكبري التي جري تعليبها في خطة خمسية ـ1960 إلي1965 ـ تربط ما بين الموارد البشرية والمالية والفنية في إطار تخطيط دقيق. ورغم النتائج الإيجابية للخطة, فإن ما كان فيها من مظاهر العمق وضعف الخيال البيروقراطي, وضمور القدرات التكنوقراطية نتيجة توقف كثرة من خريجي البعثات المصرية في الخارج عن العودة إلي أرض الوطن, أدي إلي توقف الخطط الخمسية القومية الشاملة بعد الخطة الأولي. ولكن النتيجة الحتمية كانت قد حدثت, وهي أن الاقتصاد الواحد للدولة قد بات هو الحقيقة الواقعة, التي بات عليها أن تواجه مجموعة من النتائج يقع في مقدمتها الزيادة السكانية, اتساع حجم الطبقة العاملة التي لم تعد تجد صناعات جديدة تستوعبها في عمل وإنتاج حقيقي, وزيادة عدد المتعلمين وخريجي الجامعات الذين استوعبتهم الأجهزة الحكومية في البداية ثم لم تجد بعد ذلك من حل للتضخم المتزايد في البيروقراطية إلا وجود قائمة لانتظار يوم التعيين في الدولة. وكان هذا الواحد خامسا أن عملية تعبئة الشعب المصري داخل بوتقة واحدة لم يكن ممكنا أن تتم, وتقتل روح الحرية والإصلاح في الشعب المصري, دون حراسة قوية من أجهزة قوية سميت بعد ذلك دولة المخابرات, ودولة أمن الدولة, وقوات الأمن المركزي, وأشكال مختلفة من التجسس السياسي وعمليات الاعتقال الواسعة للشيوعيين والإخوان المسلمين وجماعات كثيرة من المعارضة الفردية, حتي من كان فيها واقعا في قلب النظام التعبوي, ولكن كان لها رأي مختلف في إدارة الدولة, حتي إن بعضهم كان يمضي إلي الإعدام أو القتل بالتعذيب وهو يهتف بحياة الرئيس المفدي. أصبحت النتيجة هي أن الكل من الشعب المصري صار في واحد, سواء كان ذلك زعيما أو تنظيما سياسيا أو جهازا للدولة; أمنيا كان أو بيروقراطيا, أو إعلاما له نجومه وأدواته الباهرة, ومع حدوث ذلك كله بدأ الضمور في أعضاء الدولة المصرية. ورغم الإنذارات المختلفة التي أتت مع حرب بورسعيد عام1956 التي نتج عنها الاحتلال الإسرائيلي لسيناء لأول مرة حتي مارس1957 وفتح خليج العقبة; والتي أتت مع الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة; فإن الحذر لم يكن كافيا وجري استدراج ـ والتعبير مستعار من الأستاذ محمد حسنين هيكل ـمصر إلي كارثة يونيو1967. هذه الكارثة صارت نكسة علي أي حال, ولكنها وقد صار الوطن في خطر داهم, كافية لتحريك أعصاب الحركات الإصلاحية داخل المجتمع المصري وهي التي خرجت فيما عرف بعد ذلك بمظاهرات فبراير1968, هذه المظاهرات التي شاركت فيها لم تكن تمردا علي النظام, بل كان هناك من قادتها من كان عضوا بارزا في منظمة الشباب الاشتراكي, وإنما كان لديها سؤال واحد ضغط علي أعصابها الوطنية وهو: إذا كان الزعيم بكل هذا الإلهام والحكمة, والنظام بهذه القدرة علي التعبئة والحشد, والأمن لديه هذه القدرة علي المتابعة والمراقبة, والإعلام بهذه الأناقة اللفظية والكلمات الساحرة; فلماذا حدثت الهزيمة وجري الاحتلال وأصبحت سيناء مرة أخري تحت أقدام الاحتلال الصهيوني الغادر مرة أخري؟ كان السؤال بسيطا, ولكنه كان يرصد الحالة التي نتجت عن تأميم المجتمع والدولة وحرمانها من المفكرين والإصلاحيين; وهي رسالة لم يتجاهلها النظام فتحدث عن رفض التناقض بين الثورة وشباب الثورة, وأخرج برنامج30 مارس1968, وبدأ الحديث عن إقامة منطقة حرة في بورسعيد, وجري التلميح بأن الديمقراطية قادمة بعد إزالة آثار العدوان, ولم يمض وقت طويل بعد وفاة الزعيم عام1970 حتي أصدر الأستاذ توفيق الحكيم ـ الليبرالي والإصلاحي ـ كتابه الشهير عودة الوعي الذي كان جرسا عاليا منبها ـ وموقظا ـ إلي الحالة التي تصل إليها المجتمعات ذات البعد الواحد, حيث تصير فريسة لمن يعتدي. ولكن نظام يوليو كان قد ضرب بجذوره إلي الدرجة التي تجعله مقاوما للإصلاح طوال العهود الأربعة التالية. والحديث متصل. amsaeed@ahram.org.eg

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق