بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، يوليو 12

قضايا واراء - من أسرار القرآن‏

قضايا واراء - من أسرار القرآن‏
من أسرار القرآن‏ بقلم: د. زغلول النجار
د. زغلول النجار
289
عدد القراءات
(‏377‏ ج)‏إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم‏]‏ ‏(‏التوبة‏:40).‏

في المقالين السابقين استعرضنا عددا من الدروس التربوية الهامة المستقاة من هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وصاحبه أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من مكة المكرمة إلي يثرب في ضوء الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال, والظروف الصعبة التي كان المسلمون يمرون بها وقت تنزل هذه الآية الكريمة. هذا وقد سبق لنا أن أشرنا إلي أن هذا الحدث الذي غير مجري التاريخ بانتقال المسلمين من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء التي عاشوها في مكة, إلي مرحلة العزة, والقوة, والمنعة والتمكين في الأرض التي بدأوها في المدينة المنورة. وقلنا أن مسلمي اليوم قد عادوا في دورة من دورات الزمن إلي حالة الاستضعاف والاضطهاد والإيذاء علي مستوي دولي أكبر وأخطر مما لقيه مسلمو مكة, وإذا أراد مسلمو اليوم الخروج من ذلك الذل الذي غرقوا فيه فعليهم معاودة الاستفادة بالدروس التربوية المستقاة من هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي يتمكنوا من استعادة دورهم الرائد في هداية البشرية الضالة التائهة, والتي أعماها ما حققته من تقدم علمي وتقني مذهل, صاحبه انحسار ديني وأخلاقي وسلوكي مذهل كذلك, فأغري ذلك الطواغيت بالإفساد في الأرض, والتسلط علي الخلق ونشر الظلم في أرجاء الأرض في غطرسة عمياء, وتجبر فاق الحدود مما أغرق الأرض في بحار من الدماء والأشلاء والخراب والدمار, ولا مخرج للبشرية كلها من ذلك إلا بالعودة مرة أخري إلي الله. ولا يملك مفتاح تلك العودة إلا المسلمون. وعرضنا في المقالين الماضيين عددا من الدروس المستفادة من الهجرة نلخصها فيما يلي: أولا: ضرورة الإيمان الصادق بالله ـ تعالي ـ وجميل التوكل عليه, والجهاد من أجل إقامة عدل الله في الأرض, والتحرك المخلص بذلك, مع الاستعداد للتضحية من أجل إعلاء كلمة الله, ونصرة دينه, واليقين بأن النصر من الله والاستبشار بقرب تحقق ذلك إن شاء الله ـ تعالي. ثانيا: الإيمان بحقيقة الأخوة الإنسانية, والتسليم بحتمية صراع أهل الباطل مع أهل الحق علي الرغم من ذلك. ثالثا: ضرورة إحكام التخطيط لكل أمر, وأخذ الحيطة الكاملة من مؤامرات أهل الشر, وقد تكالبوا علي المسلمين في هذه الأيام. رابعا: اليقين في رعاية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين به والمتوكلين عليه. خامسا: التأكيد علي أن حب مكة المكرمة من الإيمان, وكذلك حب الأوطان. سادسا: ضرورة حب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحب صحابته الكرام. سابعا: ضرورة الأخذ بالأسباب في كل أمر من أمور الحياة, مع جميل التوكل علي الله( تعالي). ثامنا: ضرورة اليقين في معية الله ـ تعالي ـ لعباده المؤمنين, وحفظه لهم. تاسعا: ضرورة الوفاء بالعهد تحت مختلف الظروف. وفي هذا المقال نضيف الدرسين التاليين: أولا: ضرورة الإيمان بمعجزات الأنبياء وبكرامة الصالحين: سار الركب النبوي متجها إلي المدينة, وتابعهما أحد فرسان قريش وكان اسمه' سراقة بن مالك' وكاد يلحق بهما, لولا أن أقدام فرسه غاصت في الرمال فاستجار برسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فأجاره, ولكن الطمع في المائتي ناقة كان ينسيه ما حدث له فيتابع المطاردة لتغوص قدما فرسه بالأرض بصورة أشد من ذي قبل, وتكرر ذلك عدة مرات, والرسول يجيره حتي آمن سراقة بأنه لا سبيل له في الوصول إلي الرسول وصاحبه, فقرر الرجوع رادا للمتعقبين لرسول الله وصاحبه من كفار قريش, خاصة وأن رسول الله وعده أن يلبسه الله ـ سبحانه وتعالي ـ سواري كسري, وهو يتعجب كيف يمكن أن يكون له ذلك والفرس يحكمون المنطقة بالكامل, ثم تحقق له ذلك بالفعل بعد إسلامه, وكان ذلك إبان إمارة الفاروق عمر بن الخطاب( رضي الله عنه). وفي أثناء رحلة الهجرة كان رسول الله يأمر أبا بكر أن يشغل الناس عنه, فكان إذا سئل: من هذا الذي أنت بين يديه؟ فيرد أبو بكر قائلا:' هاد يهديني السبيل' وقد صدق فيما قال من تورية تعتبر درسا للمسلمين في كل ما يمكن أن يمروا به من الشدائد. وفي الطريق إلي المدينة نزل ركب رسول الله للتزود بالطعام والشراب علي خيام لأم معبد الخزاعية, والمنطقة كانت يومئذ تعيش في شدة من الجدب والعوز, فسألوها أن تبيعهم لحما أو لبنا أو تمرا, فقالت: والله لو كان عندنا ما أعوزناكم القري( أي القيام بواجبات الضيافة). وفجأة أبصر رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ شاة خلفها عن الغنم شدة ما بها من هزال وجهد, فسأل: هل بها من لبن؟ قالت أم معبد: هي أجهد من ذلك, قال: أتأذنين لي في حلابها؟ أجابت: والله ما ضربها من فحل قط, فشأنك إن رأيت فيها حلبا فاحلبه, وأحضرتها له. فمسح رسول الله- صلي الله علي وسلم- بيده الشريفة علي ظهر الشاة وعلي ضرعها مسميا باسم الله, فدرت, ودعا بإناء كبير يروي جماعة من الناس فحلب, ونزل اللبن قويا في صوته, ثرا في تدفقه حتي امتلأ الإناء, فقدمه لأم معبد أمام دهشة الجميع, فشربت حتي رويت, وشرب جميع من حضر حتي روي, وأخيرا شرب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي روي, وكان قدومه علي أهل هذه المنطقة بشير يمن وبركة, فنزل الغيث, واخضرت الأرض, ودرت ضروع الحيوانات, فأطلقوا علي زائرهم لقب' المبارك'. وفي الطريق إلي يثرب لقي ركب النبي كلا من أبي بريدة والزبير بن العوام, وكان أبو بريدة زعيم قومه قد خرج في وفد منهم فاق عدده السبعين رجلا في طلب الرسول وصاحبه, ولكن لما واجهوه أسلموا جميعا, وكان الزبير في جماعة من التجار المسلمين العائدين من بلاد الشام ففرحوا بلقاء الرسول وصحبه. ثانيا: اليقين في ضرورة تحقق نصر الله: بعد أحد عشر يوما في الطريق وصل ركب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي قباء فاستقبله أهلها بالترحاب والفرحة والبهجة, وقضي الرسول وصحبه عدة أيام في قباء يصلون في مسجدها( مسجد قباء). وهو أول مسجد أسس علي التقوي. ثم تحرك الركب إلي المدينة انتزاعا من قلوب أهل' قباء', وبمجرد الوصول إليها تزاحم أهل يثرب علي زمام ناقة الرسول, كل يريد أن يظفر بنزول هذا الركب المبارك عنده, ورسول الله ـ صلي الله علي وسلم ـ يقول:' دعوها فإنها مأمورة' حتي بركت في موضع مسجده الشريف إلي جوار بيت أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ الذي نزل به رسول الله. وكانت الأرض التي بركت فيها الناقة أرضا خلاء يملكها يتيمان في المدينة, فوهباها لرسول الله ولكنه أصر علي دفع ثمنها كاملا قبل البدء ببناء المسجد فيها. وفي هذا المسجد ـ الذي كان شديد التواضع في بساطته ـ ربي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ جيلا من الرجال والنساء الذين فهموا حقيقة رسالتهم في الحياة: عبادا صالحين لله, يعبدونه سبحانه وتعالي بما أمر, ومستخلفين ناجحين في الأرض, مطالبين بعمارتها, وبإقامة شرع الله وعدله في ربوعها, وبذلك أسسوا قاعدة دولة الإسلام في المدينة. وبهؤلاء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات أقام رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أعظم دولة عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل, وانطلاقا من دولة المدينة أقام المسلمون أعظم حضارة شهدتها الأرض منذ أن عمرها الإنسان. من هنا فإننا نحتفل بذكري هذا الحدث العظيم ـ هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فهو الحدث الذي غير مسيرة التاريخ كله, لأنه لولاه ما وصلنا الإسلام, ولعاشت البشرية كلها في دياجير من ظلام الشرك والكفر والضلال التي كانت قد غاصت فيها قبل البعثة النبوية الشريفة, والتي لايزال يغوص فيها غالبية أهل الأرض إلي اليوم, وذلك لأن الهجرة كانت انتقالا من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد لأهل الحق إلي مرحلة انتصارهم علي أهل الباطل. وإذا كان المسلمون في أيامنا هذه قد عادوا في دورة من دورات الزمن ـ إلي مرحلة من مراحل الاستضعاف والاضطهاد, فإن من الواجب عليهم مدارسة هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وحركته في الانتقال بالمستضعفين من المسلمين إلي مرحلة النصر المبين, الذي نستبشر بقرب تحققه فالإسلام قادم قادم, والنصر قريب إن شاء الله. فكما جاهد رسول الله علي مدار ثلاث وعشرين سنة حتي أوصل لنا الإسلام الذي لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من عباده دينا سواه. فإن واجب المسلمين اليوم هو بذل أقصي الجهد لنصرة دين الله بتعلمه من مصادره الصحيحة, وبتحقيقه أمرا واقعا في حياة المسلمين, وبحسن الدعوة إليه بالكلمة الطيبة والحجة البالغة وباللغة التي يفهمها أهل عصرنا وهي لغة العلم. وإذا كانت هجرة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قد توجت بإقامة دولة الإسلام في المدينة, ثم بفتح مكة, وبامتداد دولة الإسلام بعد ذلك, لتشمل نصف المعمورة في أقل من قرن من الزمان, فإن روح الهجرة تبقي ـ في زمن الفتن الذي نعيشه ـ تجسيدا لضرورة فرار المسلم إلي الله ورسوله فرارا حقيقيا مخلصا وذلك لأقواله ـ صلي الله عليه وسلم ـ التي منها ما يلي: 1ـ' لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية'( متفق عليه). 2ـ'... والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه'( متفق عليه). 3ـ' لا تنقطع الهجرة حتي تنقطع التوبة, ولا تنقطع التوبة حتي تطلع الشمس من مغربها'( أبو داود; النسائي). 4ـ' لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو'( النسائي, ابن حبان, أحمد). 5ـ' من مات, ولم يغز ولم يحدث نفسه به, مات علي شعبة من النفاق'( مسلم). والمسلمون في أوضاعهم الحالية, وقد تمزقت وحدتهم في أكثر من ستين دولة ودويلة, بالأضافة إلي أقليات تقدر بعشرات الملايين في بعض الحالات( مثل الهند والصين). وقد أدي انقسام المسلمين إلي بعثرة إمكاناتهم البشرية والمادية مما تسبب في تراجعهم الحضاري, في كل الميادين ومنها التخلف العلمي والتقني, والانحسار الاقتصادي والتعليمي والإعلامي والهزيمة العسكرية علي أيدي أعداء اغتصبوا قلب العالمين العربي والإسلامي دون أدني حق ديني أو عرقي أو تاريخي أو لغوي أو قانوني, وللأسف الشديد استسلم العرب( وهم أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة), كما استسلم المسلمون( وهم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة) لما فرضته ولا تزال تفرضه عليهم هذه الحفنة من حثالات الأمم, ونفايات الشعوب, في مذلة وصغار لم يسبق للعرب ولا للمسلمين أن ذاقوا مثل مرارته من قبل. وإذا أراد المسلمون الخروج من حالة المهانة التي يعيشون فيها اليوم فعليهم بمراجعة وقائع الهجرة النبوية الشريفة ومدارستها في ضوء الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال. ويكفي أن نشير في ذلك إلي ضرورة تذكير أمة الإسلام بحتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل, وبأن الحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا, ولكنه يحتاج إلي الحركة الدائبة والتضحية المخلصة من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض, والبذل السخي, والعطاء الجزل في سبيل تحقيق ذلك, مع الإيمان العميق بأنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله, فإذا أحسنا الثقة بالله ـ تعالي ـ, وتوكلنا عليه حق التوكل بعد بذل جهد الطاقة منا تحقق لنا النصر بإذن الله. وإذا تأكد ذلك في عقول وقلوب مسلمي اليوم لخرجوا من حالة التمزق والتشرذم والتخلف التي يعيشونها, ومن وضع التراجع في كل الميادين التي خاضوها, ومن مرحلة الاستضعاف والاضطهاد التي يمرون بها إلي وحدة الكلمة وجمع الصفوف علي نصرة دين الله, وإلي تحقيق قيادة العالم من جديد, وإلي مرحلة العزة والقوة والمنعة التي تميزوا بها في القديم, والنصر المؤزر الذي سوف يحققونه بتأييد الله, وإن لم ينتبه مسلمواليوم إلي حجم المخططات الشيطانية التي تحاك لهم في السر والعلن فإنهم سوف يتعرضون إلي المزيد من التمزق والتفتت والتشرذم كالذي يدبر اليوم لكل من السودان والصومال والعراق وأفغانستان, والمخطط الشيطاني لمزيد التفتيت لجميع الكيانات المسلمة طويل ومرير إذا لم يستيقظ المسلمون لمقاومته والتصدي لنع تنفيذه. ومن أخطار مخطط التفتيت للعالمين العربي والإسلامي أن أهل الكفر والشرك والضلال قد توحدوا في كيانات كبيرة, استحوذت علي جميع مقومات الغلبة المادية مما يجعل المواجة غير متكافئة علي الإطلاق. وعلي الرغم من ذلك كله فإن الله- تعالي- تعهد علي ذاته العلية تعهدا مطلقا بنصرة عباده المؤمنين وما ذلك علي الله بعزيز, والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العامين.

Share/Bookmark طباعة

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق