بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، يوليو 23

أراء حرة - "اصبروا وصابروا"

أراء حرة - "اصبروا وصابروا"
أولى | أراء حرة
"اصبروا وصابروا" بقلم: جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر
77
عدد القراءات
في الظروف التي يمر بها بلدنا الحبيب مصر نحن في أمس الحاجة إلى الصبر والتصبر، وعدم الانسياق وراء كل ناعق ممن يريدون إفشال بلادنا وتفريق كلمتنا وتحويل مصرنا الحبيبة إلى ملحمة للقتال والخلاف والشقاق؛

وذلك إثارة للنعرة الطائفية تارة، وإثارة للخلافات الفكرية بين الأطياف تارة، وتشكيكًا في نيات القائمين على أمر البلاد تارة، ومحاولة لنزع الثقة بين أبناء الشعب المصري الأصيل، فما أحوجنا إلى أسلحة إيمانية نتصدى بها لعواصف الشدائد التي تجتاحنا في عصرنا الذي نعيش فيه وقد تعصف بإيماننا فتذرو ثوابته، إن المسلم لا بد أن يتسلح بسلاح الأخلاق الإسلامية العظيمة كي يواجه بها شتى المصاعب والمشكلات، ومنها الصبر، فلا بد من التسلح والتقوِّي بتلك الأسلحة، وذلك اقتداء بأشرف خلق الله رسلِه الكرام الذين سماهم الله عز وجل أولي العزم، حيث خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ونحن معنيون بالخطاب معه، إذ العبرة -كما قال علماء الأصول- بعموم اللفظ وليس بخصوصه، يقول ربنا تبارك تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ} [الأحقاف: 35]. معنى الصبر الصبر في اللغة: هو الحبس. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو ما يقتضيان حبسها عنه أو هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]. وجاء في لسان العرب ما نصه: ".. صبر الإنسان وغيره على القتل حبسهُ ورماه حتى يموت وإذا حبس الرجل نفسهُ على شيء قال صبرت نفسي على كذا أي حبستها، ويقال للرجل إذا شُدَّت يداه ورجلاهُ أو أمسكهُ رجلٌ آخر حتى يضرب عنقهُ أو حُبِس على القتل حتى يُقْتَل قُتِل صبرًا، وكذا إذا حُبِس على اليمين حتى يحلف يقال حلف صبرًا. وفي الصحاح كل ذي روح يُصْبَر حيًّا ثم يُرْمَى حتى يُقْتَل فقد قُتِلَ صبرًا، قيل الصبر موضوعٌ في الأصل لمعنى الإمساك في الضيق وباقي المعاني متفرِّع منهُ، صبَّره: أمره بالصبر، وفلانًا: طلب منه أن يصبر، والطعام جعلهُ صُبرَةً، وصابره مصابرةً وصِبارًا غالبه في الصبر، وفي سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} أي غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى. مكانة الصبر والصابرين إن الصبر خلق عظيم، وله فضائل كثيرة منها أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم، ويوفيهم أجرهم بغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: {إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجّرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ} [الزمر:10]. كذلك فالصابرون في معية الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: {إنّ الله مَعَ الصّابِرينَ} [البقرة: 153]، وأخبر سبحانه عن محبته لأهله فقال: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، وفي هذا أعظم ترغيب للراغبين. وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً ذلك باليمين فقال سبحانه: {وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ} [النحل:126]. ولقد خص الله تعالى الصابرين بأمور ثلاثة لم يخص بها غيرهم، وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: {وَبَشّرِ الصّابِرينَ * الّذِينَ إذا أصَابَتَهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّا إلَيهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌُ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ} [البقرة:155-157]. والله سبحانه قد علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] فعلق الفلاح بكل هذه الأمور. وخصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلا أهل الصبر كقوله تعالى: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص:80]، وقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35]. ولقد وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة عن رسول الله في بيان فضل الصبر والحث عليه، وما أعد الله للصابرين من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة منها: عن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي -ولم تعرفه- فقيل لها: إنه النبي، فأخذها مثل الموت، فأتت باب النبي فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، فإن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن من صبر عند الصدمة الأولى انكسرت حدة المصيبة وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: ".. ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر" [رواه البخاري ومسلم]. وفي الصحيحين أن رسول الله قسم مالاً فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله، فأُخبر بذلك رسول الله فقال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر"، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف أنه كان يصبر ويتحلى بالصبر، حيث كان لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حِلمًا. قالوا عن الصبر • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "وجدنا خير عيشنا بالصبر"، وقال أيضاً: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً". • وقال علي رضي الله عنه: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد". ثم رفع صوته فقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له" وقال أيضاً: "والصبر مطية لا تكبو". • وقال الحسن: "الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده". • وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعوضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه". الصابرون أهل الفضل للصابرين عند ربهم منزلة عظيمة فهم يلقبون يوم القيامة بـ"أهل الفضل" نظرا لما يلاقون في دنياهم من ابتلاءات فيصبرون عليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل، فيقومون وهم قليل، فيسيرون سِراعًا إلى الجنة، فتستوقفهم الملائكة وتقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الفضل، فيقولون لهم وما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، وإذا جُهِلَ علينا حلمنا؛ فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين"، فاللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، وارزقنا خلق الصبر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق