بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 10

خبارات الجيش


خيارات الجيش
Sun, 10/07/2011 - 08:05
6
من حقك كمصرى أن تشعر بالاعتداد والفخر، لأن جمعة «الثورة أولاً» مرت على هذا النحو، فأثبتت للجميع أن ما جرى فى 25 يناير كان ثورة وليس مجرد تمرد أو انتفاضة، وأن الثوار قادرون على بلورة مطالبهم، والاتفاق على الحد الأدنى منها، وطرحها والإصرار عليها، دون أن يسمحوا لفلول النظام السابق، وغيرهم من البلطجية والانتهازيين وأصحاب الأغراض السوداء، بتفجير الأوضاع، أو إجهاض الثورة وتفريغها من مضمونها.
من حقك كمصرى أن تشعر بالاطمئنان حين تقارن ما يحدث عندنا بما يقع فى بلدان أخرى مجاورة، فرغم كل مشاعر القلق المشروعة، وكل بوادر الخطر التى تظهر بين وقت وآخر، وكل مظاهر الاضطراب وعدم الاستقرار، يبقى البلد قادراً على تحقيق درجة من الضبط واحتواء الشطط والممارسات الحادة والعنيفة.
لم تستطع مصر تخطى تلك الفترات العصيبة والحرجة فى حياة أى شعب من الشعوب، بأقل قدر من الأضرار والانفلاتات والمخاطر، إلا بسبب نبل ثورتها ووضوح أهدافها، ومناقب شعبها، ورشد جيشها.
لا ينفى هذا بالطبع أن المجموع العام فى مصر لم يعد راضياً عما آلت إليه الأوضاع فى البلاد عقب مرور نحو خمسة أشهر منذ خلع الرئيس مبارك، إذ يهيمن على الجميع شعور صادم بالغضب المشوب بالقلق والغموض، خصوصاً عندما تتباطأ محاكمات أركان النظام المطاح به، وتصدر الأحكام المثيرة للدهشة والجدل بحق أهم أعضائه، وتبدأ حفلات قانونية وإعلامية لتبرئة ساحته وإعادة تأهيله وإنتاجه.
تتعاظم المخاوف المشروعة، لأن قيادات من الحزب الوطنى الفاسد مازالت تتبوأ مواقع فى الحكومة والإعلام، وعناصر قضائية موضع جدل وأسئلة مازالت تحكم فى القضايا المصيرية، والشرطة لم تخضع لأى تطهير واسع فى طريق إعادة تأهيلها، كما لم تخضع لمساءلة واجبة، وإجراءات سياسية لازمة، ومحاكمات شفافة، يمكن أن ترضى جماهير الثورة وأسر المصابين والشهداء.
لكن المناقب الأصيلة للشعب المصرى، وجوهره الصافى النبيل، تبقى حائلاً دون تفجر الأوضاع وانفلاتها وانخراط البلاد فى الفوضى والعنف، كما أن دماء الشهداء، والمعاناة المأساوية، التى عاشها هذا الشعب فى ظل الحكم الفاسد العاجز السابق، ستكون حافزاً ملهماً ودافعاً مؤثراً لاستكمال تحقيق أهداف الثورة وحمايتها وبلوغ غاياتها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضى الإقرار بأن الثورة لن تكون قادرة على بلوغ أهدافها إلا بمساعدة حاميها وضامنها.. الجيش.
يبقى شعار «الشعب والجيش يد واحدة» من أفضل شعارات الثورة على الإطلاق، وتبقى العلاقة بين الثورة والجيش بمنزلة رابطة مصيرية مقدسة من جهة، وميثاق معلن وملزم من جهة ثانية، وعلاقة مصلحية تقوم على منفعة واضحة متبادلة من جهة ثالثة.
لن تكون ثورة 25 يناير معنية بآليات الترقى السابقة فى الجيش، ولا سبل اختيار قادته، ولا أنماط أدائهم فى عهد مبارك، ولا دفاتر خدمتهم وتفصيلاتها، إلا حينما يخفق المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى تنفيذ التزاماته حيال الرابطة المصيرية والميثاق المعلن مع الثورة.. وبذلك، فلن يكون بمقدوره الحصول على التزامات الثورة تجاهه.
يعرف القلب الصلب فى الثورة المصرية، وعشرات الملايين من جماهيرها الممتدة فى أعماق البلاد، أن الجيش هو عمود الخيمة الأخير، وأن المساس به أو خدش تماسكه والتعريض بوحدته يمثل أخطر تهديد للدولة المصرية على الإطلاق، وهو تهديد لا يماثله وعورة وبشاعة سوى إعادة إنتاج النظام السابق، أو تحويل مصر إلى دولة عسكرية أو دينية.
ضاقت خيارات الثورة، فلم يعد أمامها سوى الضغط والإصرار والإلحاح والتضحية لتحقيق غاياتها، فليس هناك من هو قادر على تحمل فكرة إعادة إنتاج النظام القديم، أو تسليم البلد لتحالف بين العسكر والإسلاميين، أو إهدار دم الشهداء.
وكما ضاقت خيارات الثورة، فإن خيارات المجلس العسكرى أيضاً تضيق؛ إذ لم يعد أمامه الكثير من البدائل كما كان الحال يوم 11 فبراير، فقد ثبتت بوضوح صعوبة الاعتماد على «شغل المسرح»، أو استهلاك الوقت، أو التعويل على «الذاكرة المثقوبة» والعواطف الجياشة للجمهور، أو الارتكان إلى «ضعف همة» الثوار وتضارب آرائهم.
ثمة خيار وطنى واضح يجمع الثورة والمجلس العسكرى فى طريق الانتقال إلى «مصر الجديدة»، على أن يلتزم الطرفان بالإخلاص للثورة، والإسراع فى تحقيق مطالبها، وتصفية النظام السابق، بلا مراوغة أو تباطؤ، وعدم الطعن فى بعضهما البعض.. لا اليوم، ولا غداً.. ولا بعد غد

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق