بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 24

قضايا واراء - بأي تنمية تكتمل ثورة شعب مصر ؟

قضايا واراء - بأي تنمية تكتمل ثورة شعب مصر ؟
بأي تنمية تكتمل ثورة شعب مصر ؟ بقلم : د‏.‏ نادر فرجاني
163
عدد القراءات
تنطوي الثورة‏,‏ كعملية تغيير تاريخية‏,‏ علي الإطاحة ببني مجتمعية خبيثة وفاسدة وإزالتها تمهيدا لإقامة بني أخري طيبة وخيرة‏,‏ تسهم في نيل غايات الثورة‏,‏ من ضمان الحرية والعدل والكرامة الإنسانية لجميع أهل مصر‏,‏ وتعلي من مكانة الوطن في الإقليم والعالم‏.‏

وبناء عليه فإن من يتصور أن الثورة يمكن أن تتصالح مع ما قامت للقضاء عليه ليس إلا مخدوع أو مخادع. ولا تمثل محاولة تجميل تركة النظام البائد علي الهوامش إلا محافظة علي جوهرة, ومكيدة للثورة. في ميدان التنمية لا يصح, مع التقدير لرئيس حكومة تسيير الأعمال الراهنة, القول باستمرار نمط الاقتصاد القديم في عهد الثورة مع التستر علي قبحه الأصيل بمحاولة, شبه مستحيلة, لتجميله بالحرص علي العدالة الاجتماعية فنمط الاقتصاد والمجتمع الذي كرسه نظام الحكم التسلطي البائد يستحيل أن يحقق عدلا, ناهيك عن التنمية بأي معيار سليم. أولا: إرث العهد البائد في مجال التنمية في مصر عانت مصر في ظل الحكم التسلطي البائد حالة حادة من الفشل التنموي تكاد تقضي علي الكرامة الإنسانية لكثرة المصريين. ويتجلي الفشل هذا في عدد من الظواهر السلبية مثل تفشي البطالة واستشراء الفقر, وما يترتب عليهما من تفاقم الظلم في توزيع الدخل والثروة في المجتمع, ففي بلد كمصر, لا يمتلك أصولا رأسمالية فيه إلا قلة قليلة, تعني البطالة التحاق من لا يتمكنون من الحصول علي دخل من العمل بصفوف الفقراء. وتعاني الفئات الضعيفة في المجتمع مستويات أعلي من البطالة والفقر. وهكذا نجم عن ذلك الفشل التنموي أن يعاني عامة المصريين تعاسة قاصمة, تتفاقم باطراد, وأن تهدر الكرامة الإنسانية لجموع المصريين, لاسيما الضعفاء, وتكفي هنا الإشارة إلي شقاء أطفال الشوارع ـ لاسيما بنات الشوارع وأبناءهن من مواليد الشوارع اللائي يحملن اغتصابا وسفاحا ثم يضعن حملهن في الشوارع أيضا ـ ومعاناة المسنين, من النساء والرجال, والمعاقين مهانة التسول في ظروف قاسية من حر الصيف وزمهرير الشتاء لمجرد سد الرمق. مثل هذه الظواهر تنفي عن أي مجتمع أي ادعاء بالتنمية أو الإنسانية. ويعود هذا الفشل التنموي الحاد إلي مرض عضال في الاقتصاد السياسي للبلد في ظل النظام البائد فحواه تحالف الاستبداد والرأسمالية المنفلتة بما يؤدي لاحتكار شلة كانت تحيط برأس الحكم التسلطي للسلطة السياسية والثروة كلتيهما, وتسخير جميع إمكانات البلد لخدمة مصالح هذه الشلة, بدلا من خدمة مصالح عموم المصريين. ويضمن الاستبداد أن يفلت المسئولين من عقاب عامة الشعب علي هذه الجرائم في حق المصريين لانتفاء المساءلة الفعالة التي لا تقوم إلا في حكم ديمقراطي صالح, فيستشري الفساد الفاجر نهبا البلاد والعباد. إن تحالف الاستبداد والرأسمالية المنفلتة, أو البربرية, يطلق حرية رأس المال وحافز الربح فقط, علي حساب حقوق وحريات عامة الناس, ويقوض تحالف الرأسمالية المنفلتة مع الاستبداد, مقومات الرأسمالية الكفء والناجحة, وهي حماية المنافسة بمكافحة الاحتكار وبسط العدالة التوزيعية في المجتمع من خلال آلية الضرائب التي تأخذ من أرباح رأس المال لحماية الفقراء والضعفاء من غائلة الفقر وعاديات الدهر, بل في ظل هذا التحالف الشرير تستخدم السلطة السياسية لتكريس الاحتكار وحمايته بدلا من مكافحته باعتباره اشد الامراض المجتمعية فتكا بالكفاءة الاقتصادية وبالعدالة الاجتماعية سويا( في ظل المنافسة التامة وتعدد المنتجين أو الموردين, أي غياب الاحتكار, يجري الإنتاج أو البيع بأعلي كفاءة وبأقل تكلفة, ما يحقق للمستهلك أفضل جودة وأقل سعر, بينما لا يهتم المحتكر إلا بتعظيم أرباحه, ولو علي حساب الجودة ورفع سعر المستهلك بلا سقف من المصلحة العامة). وهكذا يسبب تحالف الاستبداد والرأسمالية المنفلتة دوام التخلف الإنتاجي وتدني الإنتاجية, ناهيك عن استشراء البطالة والفقر والحرمان من الحريات الأساسية, كما يتيح هذا التحالف مرتعا للفساد الفاجر ولإهدار المال العام. ولذلك لا يحقق هذا التحالف الشرير نموا اقتصاديا يعتد به, وتتوجه عوائد ما يتحقق من نمو لزيادة ثراء شلة الحكم التسلطي وإفقار الغالبية الساحقة من الناس. في النهاية, مثل هذا التحالف الآثم لابد يحابي الأغنياء والأقوياء, ويعاقب الفقراء والضعفاء وتكون النتيجة اشتداد حدة الاستقطاب المجتمعي بين قلة قليلة تحظي بالنصيب الأكبر من السلطة والثروة, وغالبية ضخمة مهمشة ومفقرة,ما يمهد, خاصة في مناخ قمع الاستبداد للحريات العامة, لاقتتال مجتمعي لا تحمد عقباه. ثانيا ـ أي تنمية نريد: باختصار, نريد التنمية التي تقضي علي الفشل التنموي الحاد الذي خلفه نظام الحكم التسلطي البائد, من خلال تحالف الاستبداد مع الراأسمالية البربرية, وتبعاته. نريد التنمية التي تضمن العزة والمنعة لمصر, وتصون الكرامة الانسانية للمصريين جميعا. لذلك نريد تنمية تقيم بنية إنتاجية قوية وتضمن زيادة الانتاجية باطراد مما يفضي الي قوة الوطن. وعلي مستوي المواطنين, نريد تنمية إنسانية تقضي علي أدواء الفشل التنموي الراهن من بطالة وفقر وانتفاء العدالة في توزيع الدخل والثروة, ومن مهانة الانسان التي تتبدي في أطفال ومواليد شوارع, وفي كبار سن ومعاقين يتسولون لسد الرمق في ظروف تحط بالكرامة الانسانية. باختصار نريد تنمية تضمن حق جميع المصريين في العيش الكريم والكرامة الانسانية. ولن تقوم هذه التنمية بداية إلا إذا أصبح الاقتصاد, كما الحكم, خاضعا لمحاسبة فعالة من عموم المصريين علي مدي وفائه بحاجتهم الي العزة والكرامة, ولن يحدث ذلك أبدا إلا في نظام حكم ديمقراطي صالح تكون المسائلة الفعالة للحكام والمسئولين أحد أهم مكوناته. ولن تقوم مثل هذه التنمية الانسانية إلا بالقضاء علي تحالف الاستبداد والراسمالية الاحتكارية المنفلتة, سبب الفشل التنموي الحالي. ولذلك فبالاضافة لقيام حكم ديمقراطي صالح يتعين ترشيد التنظيم الاقتصادي للمجتمع بعيدا عن نمط الرأسمالية الاحتكارية المنفلتة لضمان الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية كليهما. جماع القول ان مثل هذه التنمية الانسانية لن تتحقق في مصر إلا باحلال التحالف الخير بين الحكم الديمقراطي الصالح والتنظيم الاقتصادي, الكفء والعادل, محل التحالف الخبيث بين الاستبداد والرأسمالية الاحتكارية المنفلتة, المؤسس للتخلف والظلم, ونقدم في الجزء التالي بعض معالم التحالف الخير المطلوب. ثالثا: مضمون التنمية المرغوبة تستهدف التنمية المرغوبة بداية إقامة بنية إنتاجية قوية ومتنوعة, تسند الاستقلال الوطني, وتضمن منعة الوطن. وتتطلب مثل هذه البنية الانتاجية اطراد ارتفاع الإنتاجية, وتستلزم زيادة الانتاجية رفع جودة نظم التعليم والتدريب, المستمرين مدي الحياة, وإقامة نسق فعال للبحث والتطوير التقاني يضمن دخول مصر عصر المعرفة باقتدار, وحسن ادارة مشروعات قطاع الاعمال( العام والخاص) وصلاح حكمها وفق مبادئ الادارة العامة الرشيدة. غير ان اهم مقومات الانتاجية العالية قاطبة هو شعور العاملين بالانتماء الذي يغذيه تبلور شعور الفرد بان الوطن يحميه ويضمن له العيش الكريم والكرامة الانسانية. بعبارة اخري يعلي من الانتماء, بما يرفع الانتاجية باطراد, ان يتمتع الفرد بكامل حقوق المواطنة ومجمل حقوق الانسان, ما لا يتحقق إلا في ظل شق الحكم الديمقراطي الصالح من تحالفنا الخير, وها هنا مدخل واسع آخر للتلازم بين الديمقراطية والتنمية الانسانية. أما شق التنظيم الاقتصادي, الكفء والعادل, فيتطلب المقومات الرئيسية التالية: أولا: دولة تنموية قادرة وفعالة, تخضع للمساءلة الصارمة من عامة الناس, وتقوم علي ضبط الاسواق ورأس المال وحافز الربح لضمان المصلحة العامة للمصريين جميعا, من خلال مناهضة الاحتكار وإرساء العدالة التوزيعية. ويتكامل مع الدولة التنموية الرشيدة هذه قيام قطاع أعمال( عام وخاص) يخضع لمعايير حسن الادارة والحكم الرشيد, ويعني ذلك علي وجه التحديد إعادة الاعتبار لنمط الملكية العامة لمشروعات الاعمال( أقصد ملكية الشعب وليس ملكية الحكومة) وتشجيع أنماط الملكية والادارة التعاونية التي أهدرتها حقبة تحالف الاستبداد والرأسمالية الاحتكارية المنفلتة لمحاباة رأس المال الكبير والاحتكاري, بلاطائل, إلا الفشل التنموي. ولضمان الوفاء بحاجات المصريين جميعا للعيش الكريم والكرامة الانسانية, يتوجب ان يضمن الحكم الديمقراطي الصالح اجورا, ومعاشات( وليست إلا جزءا من الأجر مؤجلا لبعد التقاعد) تكفي للوفاء بالحاجات علي مستوي مقبول إنسانيا, وتزداد تلقائيا حسب معدلات غلاء الاسعار الحقيقية. ويتعين ان تقوم الدولة بواجبها في حماية عامة المصريين من الفقر والفاقة من خلال آليات العدالة التوزيعية. ما يستوجب ترشيد الموازنة العامة, من خلال آلية الضرائب المباشرة التصاعية, مثل الضريبة العامة علي الدخل والآثراء ـ بدلا من الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفقراء ـ ومكافحة التهرب الضريبي, وشتي اشكال الفساد التي استشرت في البلاد, ما يوفر الموارد لضمان الدولة لمستوي جيد من الخدمات الاساسية الحامية للقدرات البشرية الاساس, لاسيما خدمات الصحة والتعليم, التي ترفد بدورها ترقية الانتاجية. كما تقتضي حماية الكرامة الانسانية انشاء شبكات امان اجتماعي واسعة وفعالة, وإطلاق الحريات المفتاح لرأي والتعبير والتنظيم, كي ينشأ المجتمع المدني الحيوي القادر علي الدفاع عن حق الناس في مثل هذه التنمية الانسانية, وإلي مقال تال قريب يفصل في مضمون التنمية الانسانية المطلوبة لاكتمال ثورة شعب مصر العظيمة قليلا.

Share/Bookmark

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق