بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، يوليو 9

قضايا واراء - وعاد عصر «النهب الأعظم» للآثار!

قضايا واراء - وعاد عصر «النهب الأعظم» للآثار!
وعاد عصر «النهب الأعظم» للآثار! بقلم: محمود كامل
محمود كامل
173
عدد القراءات
لا نشكك فى ذمة أحد، وإن كنا نشكك فى التزام ذلك الـ «أحد» بمسئولياته عن حماية التراث المصرى الذى له من العمر آلاف السنين، والذى تزايدت كثيرا حوادث سرقته جهارا نهارا وتهريبه لبيعه بالملايين إلى تجار بالخارج لايشبعون أبدا من تجارة الآثار المصرية منذ عصر «النهب الاعظم» الذى تولاه سفراء وقناصل الدول الأجنبية طوال سنوات الربع الأول من القرن الفائت فى رعاية الاستعمار الانجليزى الذى كان يحكم مصر.

وبسبب تسارع وتيرة الضبط اليومى لبعض من تلك الآثار المسروقة، فإن اخبارها التى كانت تحتل الصفحات الأولى للصحف، قد توارت منتقلة الى «صفحات الحوادث» لتتساوى فى قيمة النشر ـ مع »حوادث النشل« فى الاتوبيسات، أو حوادث «سرقة الغسيل» من فوق الأسطح، وهو مايمثل كارثة ينبغى لأحد ـ غير المجلس الأعلى للآثار أن يتصدى لإيقافها واسترجاع كل المسروقات التى تمت فى ظل «الوجود العدمي» لذلك المجلس الذى أصيب بـ «إسهال» فى البيانات والمؤتمرات الصحفية التى تركزت فى نفى أخبار السرقات، والدفاع عن النفس، دون كلمة واحدة تطمئن المصريين على تراثهم القومى الذى لن يتكرر. ولقد قضيت من سنوات عملى الأربعين فى الأهرام، عشرين عاما فى متابعة قطاع الآثار، فرعونية وقبطية واسلامية ـ كنت خلالها مع كل الاثريين اكثر المعارضين لاقامة «معارض» للآثار المصرية بعواصم أجنبية رغم مبالغ التأمين الهائلة التى رصدتها شركات تأمين عالمية لكل مجموعة أثرية مسافرة «بتعليمات عليا» خضع لها مجلس الآثار الأعلى بالموافقة، حيث تصدر أصحاب تلك التعليمات العليا، ان تلك المعارض الأثرية «تفتح شهية» الأجانب لزيارة مصر لمشاهدة بقية التراث المصري، بينما كان تساؤلى وكل الأثريين المصريين بمن فيهم اعضاء المجلس الاعلى للآثار انفسهم ـ ينصب علي: ماذا يحدث لو أن الطائراة حاملة تلك الكنوز الاثرية سقطت فى المحيط لأى سبب طارئ «فهل تعوضنا ملايين دولارات التأمين عن فقدان ـ ولو قطعة واحدة فقط من المجموعة التى غاصت فى اعماق المحيط بغير عودة، وهو التساؤل الذى «يحول كل» سفرية الى معرض الى مغامرة طائشة وافق عليها من لايقدرون قيمة ما وافقوا على سفره، حتى لو تلقوا من جهات عليا تعليمات بالموافقة! ورغم كل المحاذير، والتحذيرات، فإن «مهرجان» سفر مجموعات الآثار المصرية للعرض بالخارج مازال منصوبا حتى الآن بحجة أن عوائد تذاكر مشاهدة المعروضات الاثرية تدر ملايين الدولارات التى تستخدمها هيئة الآثار ومجلسها الأعلى فى الانفاق على عمليات ترميم لبقية المنظومة الأثرية، بينما اعلم ان العوائد التى يتحدثون عنها ليست اكثر من «سمك فى ليه» لايستطيع أحد التأكيد على دقة المبالغ المحصلة حيث لانعلم عدد الزوار، ولاعوائد زياراتهم وهو ماكان يتيح لوزير الثقافة السابق، ولوزير الآثار الحالى جزء لايستهان من تلك العائدات المجهولة لانفاقها كما يريدون بعد خصم ما ينفق منها علماء رحلات كبار مسئولى الثقافة والآثار، والعديد من الصحفيين الأصدقاء من تكاليف إقامة بأفخر الفنادق . ومن بين مآسى عرض الآثار المصرية بالخارج. ما حدث فى منتصف الستينيات فور انتهاء عرض مجموعة «توت عنخ آمون» الشهيرة بمدينة «شيكاجو» الأمريكية تحت إسراف العالم المصرى الجليل «الدكتور احمد فخري» ـ رحمة الله ـ الذى حكى لى فور العودة كيف انه اكتشف خلال إعادة تغليف قطع المعرض لنقلها الى ولاية أمريكية أخرى «استبدال» ست من عصى توت عنخ آمون الأثرية بمثيله لها ـ شكلا ومعدنا ـ مقلدة بإتقان شديد، ليوقف عملية التغليف ويبلغ سفيرنا فى واشنطن ايامها بالحادث الخطير، ثم يبلغ رئاسته بالقاهرة بما جري، ليتلقى فى الصباح التالى قرار تلقته هيئة الآثار بالقاهرة من رئاسة الجمهورية بعودته فورا، وارسال بديل له ليصحب المعرض فى بقية الولايات، مع التنبيه عليه بعدم ابلاغ أحد بما جرى سواء قبل عودته او بعدها بحجة: مش عايزين مشاكل مع الأمريكان. ومن بين مايثير الدهشة، ذلك البيان المتعجل لوزير الآثار الذى دعا فيه الصديق «فاروق جويدة» الذى آثار بوطنيته سرقات الآثار طالبا التحقيق فيها لزيارة متحف الآثار الاسلامية ليرى كيف أن كل الآثار معروضة فى صالاته، وان كل ماتناوله فى مقاله الشهير غير صحيح، حتى ليبدو الأمر وكأن جويدة لديه قائمة بكل مقتنيات المتحف ليراجعها على الطبيعة، أو كأن الوزير قد قام فى اليوم التالى لمقال فاروق جويدة بمجرد كل المقتنيات وتأكد من وجودها قبل اصدار بيان الدعوة بالزيارة، وهو مايؤكد ان الوزير الذى خدم طويلا أمام مبارك مازال يتصور ان المصريين ـ بعد ثورة التحرير ـ مازالوا مجموعة من »المهابيل« يمكن أن يبتلعوا بسهولة ذلك »الهراء الوزاري« طبقا لنظرية «كل تمام» الوتيرة التى خربت مصر. وإذا كانت كل السلطات فى مصر، تتعقب الآن بدأب شديد كل الثروات المنهوبة فى مصر، والمودعة ببنوك عربية مجاورة، واجنبية بعيدة لإعادتها فإن شمول المسروقات الأثرية بهذا التعقب يمثل ضرورة قد تزيد عن قيمة الأموال المنهوبة والمطاردة، والأهم هو محاسبة كل الذين سرقوا، والذين هربوا، والذين تقع تلك الآثار فى عهدتهم لايقاف ذلك النزيف، مع تشديد عقوبة سارقى تراث الحضارة المصرية الى «الإعدام» باعتبارها سرقة مع سبق الإصرار والترصد.

Share/Bookmark

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق