بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 17

ص مصر تغرق فى الإعلاممم


مصر تغرق فى الإعلام

  بقلم   ياسر عبدالعزيز    ١٧/ ٧/ ٢٠١١
إذا فتحت صفحات الجرائد المصرية، فستجد أضخم الإعلانات بها وأكثرها تكراراً وكثافة تلك التى تروج لقنوات فضائية أو برامج جديدة، وإذا سرت على الطرق فلن تجد أكثر من اللافتات التى تعلن عن قنوات وبرامج تليفزيونية، والأمر ذاته ستجده فى التليفزيون الذى يعلن بدوره عن صحف جديدة صدرت أو فى طريقها إلى الصدور، أما الإذاعة، فتوزع اهتماماتها الإعلانية لتروج للوسائل والبرامج، الجديدة على مدار الساعة وبلا انقطاع.
تتراجع معظم القطاعات الإنتاجية فى شتى المجالات، ويتم تمويل عجز الموازنة بالسحب من الاحتياطى أو بالاقتراض وقبول المنح، وتتقلص أنشطة السياحة والتطوير العقارى بفعل الظروف الطارئة التى تمر بها البلاد، لكن صناعة الإعلام تزدهر، والاستثمارات الراغبة فى دخولها تتزايد وتتدفق يوماً بعد يوم.
زاد الطلب على الكوادر المهنية العاملة فى صناعة الإعلام زيادة كبيرة للغاية، وارتفعت الرواتب وتضاعفت العروض، وتدفق المستثمرون على الجهات المسؤولة راغبين فى الحصول على تراخيص للصدور، ولجأ آخرون إلى التوسع بإصدار تعبيرات إعلامية جديدة من خلال شركاتهم القائمة بالفعل، حتى التليفزيون التابع للدولة، الذى يعانى من تضخم كبير فى عدد الوسائل وانخفاض عوائدها المالية والمهنية، راح يدرس إطلاق قنوات جديدة.
من المفترض أن تكون تلك التطورات إيجابية بالطبع لكل من يعمل فى صناعة الإعلام، إذ يمكن أن يشكل مناخ الازدهار الجديد بيئة راعية للمنافسة، ويطور التقنيات، ويرفع الرواتب، ويعزز فرص النمو والتقدم. لكن الإنصاف يقتضى القول إن هذا التدفق الكبير على الصناعة الإعلامية ليس كله إيجابياً على الإطلاق، ويخلق شعوراً بالقلق أكثر مما يزرع الارتياح، ويبعث بكثير من المخاوف فى مقابل أقل القليل من الشعور بالتفاؤل وإنعاش الأمل.
بعض أنماط الملكية والتمويل الجديدة فى صناعة الإعلام المصرية بعد ثورة ٢٥ يناير ليست بريئة على الإطلاق، وعدد منها يمثل نقاط ارتكاز ومنابر لمشروعات سياسية وافدة من الخارج، أو مصالح داخلية معادية للثورة، أو تعبيرات عن مشروعات طائفية ومذهبية ضيقة.
يشير حجم الاستثمارات التى يتم ضخها فى بعض المشروعات الإعلامية الجديدة، التى تكاد تغرق مصر اليوم، إلى أنماط إنفاق غير مدروسة وغير راغبة فى إدراك الجدوى، خصوصاً فى ظل التراجع الكبير فى عائدات الإعلان.
فى أقل من خمسة شهور، طلب مستثمرون إنشاء عدد من القنوات التليفزيونية يماثل نصف ما تم إطلاقه من مصر فى ١٥ عاماً، وبعض تلك القنوات ينفق بسعة غير مسبوقة، ويعلن أنه لا ينتظر أرباحاً من عائدات التشغيل.
الكثير من القنوات الجديدة يعبر عن أحزاب أو أفكار سياسية محددة، بعضها للأسف طائفى أو مذهبى، وبعضها الآخر لم يعلن للمجال العام تمويله بشكل شفاف، ولم ينشر بيانات رؤيته ومهمته ورسالته التحريرية.
حدث شىء من هذا القبيل فى دول شهدت تغيرات سياسية مفصلية وحادة، مثل العراق الذى خضع لاحتلال أطلق الحريات الإعلامية وأعاد إنتاج الصراع الطائفى والمذهبى فى هذا البلد فى الإعلام، وهو أمر شبيه بما حدث فى إندونيسيا التى تخلصت من حكم شمولى، دون أن تضع قواعد ضابطة للاستثمار فى صناعة الإعلام، فباتت تلك الأخيرة أحد عوامل تشظى البيئة السياسية فى البلاد، وبؤرة صراعات طائفية ومذهبية.
لم تصل ثورة ٢٥ يناير إلى صناعة الإعلام حتى هذه اللحظة، لكنها وصلت وتمركزت جيداً فى جانب واحد متصل بتلك الصناعة، وهو جانب حرية الصدور، فيما أخفقت فى التحقق فى بقية جوانب العملية الإعلامية، وعلى رأسها التنظيم والضبط والشفافية وصيانة المصلحة العامة.
ليس بحرية الصدور وحدها تتحقق حرية الإعلام، وليس بحرية الإعلام وحدها تتقدم الصناعة الإعلامية، ولا تقصر المجتمعات الرشيدة دعمها للإعلام على توفير آليات صدور وبث سهلة وميسرة وغير مقيدة، لكنها تسعى إلى ضبط المنظومة الإعلامية كلها فى إطار إدراك المصلحة العامة وصيانتها.
يجب أن تصل الثورة إلى الإعلام عبر إنشاء النظام الإعلامى المصرى الرشيد المستدام، الذى يضمن الحريات الإعلامية كلها، بعد أن يلزم الوسائل القائمة والجديدة بتنظيم ذاتى متكامل وفعال، يلزمها بالإفصاح والشفافية وتكامل الأداء.
لن يكون الإعلام عاملاً إيجابياً قادراً على مساعدتنا فى بلوغ «مصر الجديدة»، إلا إذا أنشئت هيئة وطنية ضابطة، مسؤولة عن ضمان حرية وسائل الإعلام، ومراجعة تنظيمها الذاتى والتحقق منه، ومتابعة أدائها، حتى تضمن التزامها بالأسس والمعايير المهنية اللائقة، والدفاع عن حق المجتمع فى حال حصول أى تجاوز أو ظهور أى خطر جراء أنماط الأداء المسيئة والصارخ

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق