بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 17

حتى لا تتحول الحكومة إلى أداة لإجهاض الثورة

حتى لا تتحول الحكومة إلى أداة لإجهاض الثورة بقلم د. حسن نافعة ١٧/ ٧/ ٢٠١١

ظلت العلاقة بين «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» و«حكومة الثورة» ملتبسة رغم أن مياهاً كثيرة جرت فى نهر الحياة السياسية المصرية منذ نجاح الثورة فى إسقاط رأس النظام السابق. وكان السيد عمر سليمان قد قال فى الكلمة التى ألقاها يوم ١١ فبراير عام ٢٠١١ إن الرئيس السابق «قرر التخلى عن منصبه كرئيس للجمهورية وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، وهى عبارة يُفهم منها أنه تخلى «طواعية» عن منصبه، وأنه هو الذى «اختار» المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليتولى إدارة شؤون البلاد من بعده. ولم يكن ذلك دقيقاً، فلا الرئيس السابق تخلى طواعية عن منصبه، لأن الثورة هى التى أجبرته على الرحيل، ولم تكن لديه فى تلك اللحظة سلطة يملك تفويضها أو نقلها لأحد، لأن الشعب - مصدر السلطات - كان قد سحب منه الثقة ووضعها فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى لعب دوراً أساسياً فى حماية الثورة.

فى سياق كهذا، من الطبيعى أن يستمد المجلس الأعلى للقوات المسلحة شرعية دوره السياسى من التفويض الممنوح له من الشعب وليس من الرئيس المخلوع. وتأسيساً على هذه الحقيقة تعيَّن على المجلس أن يتعامل مع «حكومة الثورة» وفق صيغة مختلفة عن تلك التى ميزت العلاقة بين رئيس الجمهورية والحكومة فى النظام القديم. غير أن ما جرى على أرض الواقع يقطع بغير ذلك، فقد أدار المجلس شؤون البلاد بطريقة توحى بأنه حل محل رئيس الجمهورية فى النظام القديم، وعليه أن يمارس علاقته بالحكومة وفقاً لنفس النهج والمعايير المستخدمة من جانب نظام اعتاد على أن ينظر للحكومة باعتبارها مجموعة من الموظفين، دون أن يأخذ فى اعتباره حجم التغير الذى طرأ على النظام السياسى المصرى عقب الثورة. فقد لوحظ أنه:

١- أبقى على وزارة الفريق أحمد شفيق، التى كان الرئيس السابق قد عينها قبل إسقاطه، ولم يتخل عنها إلا جزئيا وبعد ضغوط واضحة من الرأى العام.

٢- واصل نفس السياسات الإصلاحية التى كان الرئيس السابق قد أطلقها مضطرا فى أواخر أيامه، حين قبل تشكيل لجنة لتعديل الدستور، بدلا من اعتماد نهج التغيير الشامل الذى يتناسب مع ثورة بهذا الحجم كانت تفرض عليه أن يشرع على الفور فى تشكيل لجنة تأسيسية لصياغة دستور جديد، مدخلا البلاد فى متاهة ما زلنا نعانى منها حتى الآن، جسّدها جدل عقيم حول «الدستور أم الانتخابات أولاً».

٣- لم يظهر أى جدية فى محاكمة الرئيس السابق وأسرته ورموز نظامه والمتورطين فى قتل وجرح المتظاهرين، فرغم أن الرئيس يعد من الناحية القانونية «متهماً» و«محبوساً» على ذمة التحقيق، فإنه يمضى أيامه فى جناح بمستشفى شرم الشيخ.

٤- أدار الدولة بنفس السياسات، بل بنفس الكوادر الموالية للنظام السابق، والتى ظل معظمها يتحكم فى إدارة أكثر المواقع أهمية وحساسية: كالجامعات والقضاء والأجهزة الرقابية ومؤسسات الحكم المحلى وغيرها. وحين اضطر المجلس إلى إجراء بعض التغييرات فى السياسات أو فى الكوادر سار على نفس النهج واعتمد ذات المعايير.

٥- عندما قبل تعيين الدكتور عصام شرف باعتباره «مرشح الثورة» قبله على مضض، ولم يمنحه من السلطات ما يكفى لتمكينه من المشاركة فى إدارة شؤون البلاد بالطريقة التى تلبى طموحات الشعب وتساعد على تحقيق الأهداف التى من أجلها قامت الثورة، وأصر على الإبقاء على عدد من رموز النظام السابق.

ومع ذلك، ليس من الإنصاف إلقاء مسؤولية الأخطاء التى شابت إدارة المرحلة الانتقالية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحده، وعلى الحكومة أن تتحمل نصيبها منها، إذ كان على الدكتور شرف أن يتفق مع المجلس الأعلى منذ البداية على طريقة لتوزيع السلطات والاختصاصات بينه وبين الحكومة وفق معايير محددة تراعى مسؤولية المجلس عن الأمن الخارجى للبلاد وكضامن لاستقرارها الداخلى، من ناحية، ومسؤولية الحكومة عن تنفيذ مطالب وأهداف الثورة من ناحية أخرى. كما تعيَّن عليه أن يصارح الشعب بأى عقبات تحول دون تمكينه من تحقيق هذه الأهداف والمطالب، غير أن الدكتور شرف لم يفعل، ولا نعرف لماذا لم يحتج أو يقدم استقالته عندما وجد يده مغلولة فى مناسبات كثيرة، كتعيين أول حركة للمحافظين تصدر بعد الثورة، أو عندما رُفض طلبه باستبدال عدد من الوزراء الذين ينتمون للنظام السابق.

لقد لعبت السياسات التى انتهجها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، من ناحية، واستسلام الحكومة وانصياعها لإرادة المجلس، من ناحية أخرى، دوراً مهماً فى وصول العلاقة مع الشعب إلى حافة الأزمة، وكانت وراء قرار الشعب بالخروج إلى الميادين من جديد للتعبير عن احتجاجه على الطريقة التى تدار بها المرحلة الانتقالية، فقد وقر فى يقين الشعب المصرى أن ثورته على وشك أن تُسرق منه، وأن قوى بعينها فى الداخل والخارج تسعى جاهدة للالتفاف عليها وإجهاضها، ومن هنا كان قراره بالخروج إلى الميادين ليؤكد من جديد تصميمه على تحقيق أهداف الثورة كاملة.

ولحسن الحظ فقد تجاوب المجلس والحكومة مع هذا الضغط، بالموافقة على إجراء تعديل وزارى ومنح الحكومة صلاحيات إضافية تمكنها من القيام بدورها. ويتيح هذا التجاوب - فى تقديرى - فرصة جديدة لإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية بطريقة أكفأ وأقدر على إنجاز الأهداف المطلوبة، غير أنه يتعين علينا فى الوقت نفسه انتظار تشكيل الحكومة الجديدة قبل أن نصدر أى أحكام مسبقة، فإذا ضمت الحكومة فى تشكيلها شخصيات قوية تتمتع بوضوح فى الرؤية وبقدر كبير من الاستقلالية سيكون بوسعنا جميعا أن نتطلع بأمل أكبر نحو المستقبل.

ولأن القضية الأساسية لا تتعلق بتغيير الأشخاص بقدر ما تتعلق بتغيير النهج والسياسات سيتعين علينا أن ننتظر وقتا أطول حتى تعلن الحكومة عن خطتها لإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية قبل أن يكون فى مقدورنا أن نحكم لها أو عليها. ولأن مهمة الحكومة الانتقالية تتركز فى إزاحة ما تبقى من النظام القديم، من ناحية، ووضع الأسس اللازمة لبناء نظام سياسى جديد أكثر كفاءة وأقل استبدادا وفسادا، من ناحية أخرى، فسوف يكون عليها أن تتخذ سلسلة من الإجراءات العاجلة. وفيما يتعلق بقضية التعامل مع بقايا النظام القديم تبدو الحكومة مطالبة باتخاذ سلسلة من الإجراءات العاجلة، فى مقدمتها:

١- تعيين نائب عام جديد، ورئيس جديد للجهاز المركزى للمحاسبات ولبقية الأجهزة الرقابية فى الدولة، ورؤساء جدد للجامعات، ومحافظين جدد، على أن تتوافر فيهم جميعاً كل المعايير التى تضمن ولاءهم الكامل للثورة، من ناحية، وتمتعهم بأعلى قدر ممكن من الكفاءة الفنية فى مجالات تخصصهم، من ناحية أخرى.

٢- نقل الرئيس السابق مبارك فورا إلى سجن طرة، أو إلى المستشفى الملحق بالسجن إذا لزم الأمر، مع إحالة جميع المتهمين فى قتل وجرح المتظاهرين، أو فى إساءة استخدام السلطة ونهب المال العام والإثراء غير المشروع، إلى دوائر خاصة تتفرغ بالكامل لإجراء هذه المحاكمات، والتى يتعين أن تكون علنية وأن يتاح للشعب متابعة تفاصيلها بالكامل، خلال فترة زمنية معقولة.

٣- مكاشفة الشعب بحجم الأموال التى نهبت وبالإجراءات التى تم اتخاذها لاستعادة هذه الأموال.

٤- تحديد حد أدنى وآخر أعلى للأجور، على نحو يكفل كرامة المواطنين ويسهم فى تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. أما فيما يتعلق بوضع أسس النظام الجديد فسوف يكون على الحكومة الجديدة إيجاد مخرج مقبول لإشكاليتين رئيسيتين، الأولى: تتعلق بـ«الدستور أم الانتخابات أولاً»، والتى تمت تنحيتها مؤقتا،

والثانية: تتعلق بادعاء كل من هب ودب أنه صاحب الدور الأساسى فى تفجير الثورة. وفى تقديرى أن حل الإشكالية الأولى يمكن أن يتم بالاكتفاء بإصدار وثيقة بمبادئ دستورية حاكمة تتوافق عليها مختلف القوى السياسية، وهو أمر بات فى متناول اليد، مع تأجيل إصدار دستور جديد إلى ما بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتسليم السلطة إلى المؤسسات الدستورية المنتخبة. أما الإشكالية الثانية فيمكن حلها بالإسراع فى إجراء انتخابات لجميع مؤسسات المجتمع المدنى، خاصة النقابات العمالية والمهنية والأحزاب، تسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية. ويمكن الانتهاء من جميع هذه الانتخابات خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر من الآن.

المطلوب فى هذه المرحلة صياغة جديدة للعلاقة بين حكومة، يفترض أنها تمثل الثورة، ومجلس أعلى للقوات المسلحة، يفترض أنه المؤتمن على الثورة وحارسها الأمين، بدلاً من اتخاذ الحكومة شماعة تعلَّق عليها الأخطاء، ويسعى البعض لاستخدامها وسيلة لإجهاض الثورة

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق