بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، يوليو 24

الكتاب - في معضلة القناصة

الكتاب - في معضلة القناصة
في معضلة القناصة بقلم: فاروق شوشة
فاروق شوشة
453
عدد القراءات
الإجماع منعقد بين كل المتابعين والمحللين‏,‏ وأطباء الميدان والمستشفيات‏,‏ والذين أتيحت لهم المعاينة والمشاهدة‏,‏ وفرص التصوير ـ بكل الوسائل الحديثة الممكنة‏,‏

علي أن شهداءنا الأبرار الذين قتلوا بإصابات مباشرة في رءوسهم وعيونهم, قد تلقوا طلقات الرصاص من أعلي, أي أن الذين كانوا يصوبون إليهم بدقة متناهية, ويتخيرون ضحاياهم من بين مئات الألوف المحتشدة, كانوا مزودين بأسلحة موجهة بالتلسكوب وأجهزة الرؤية البعيدة الدقيقة, وأنهم كانوا منتشرين فوق أسطح المباني المحيطة بالميدان, وبخاصة مبني الجامعة الأمريكية في ميدان التحرير الذي يتحكم في الموجات الثورية القادمة من شارع قصر العيني, أو التي تحاول التوغل في شارع الشيخ ريحان بهدف الوصول إلي مبني وزارة الداخلية. والإجماع منعقد علي أن هؤلاء القتلة, الذين استخدموا أسلحة غير تقليدية هم القناصة. وبقي توصيف هؤلاء القناصة, وتحديد هويتهم, موضع اجتهاد وتخمين, بل رغبة في تعمد عدم إظهار الحقيقة, وتوضيح المسئولية الأمنية والجنائية عن عمل هؤلاء القناصة: من أين جاءوا؟ ومن أعطاهم الأمر بانتقاء ضحاياهم من بين كل الشهداء الأبرار ـ وقتلهم بإصابات مباشرة في الرأس والمخ والعين؟ وهل انشقت عنهم الأرض أم هبطوا من السماء؟ ومن المسئول ـ أخيرا ـ عن توجيههم في لحظات معينة, وفي مواقع معينة لكل ما قاموا به من قتل وترويع, وارتكاب جرائمهم التي هي أبشع ما تعرض له الثوار الأبطال من قتل فوري, وإصابات جسيمة نافذة, ألزمتهم العناية المركزة بالمستشفيات حتي جاء موعد صعود أرواحهم إلي بارئها بعد خمسة شهور كاملة كانوا خلالها بين الحياة والموت, بين الوعي واللاوعي, والقتلة من القناصة المجرمين يمرحون آمنين, سعداء بما أنجزوا, بعيدين عن أية شبهة أو اتهام, أو حتي إشارة, مجرد إشارة لهويتهم وطبيعة عملهم, من بعيد! لقد سارعت الداخلية في عهدي اثنين من وزرائها: وجدي والعيسوي, بإنكار تبعية هؤلاء القناصة لها, واستشهد رجال الداخلية بأن فوارغ الطلقات التي أطلقت علي الثوار, وجمع بعضها من فوق أسطح المباني تشهد بأن الأسلحة التي استخدمها هؤلاء القناصة لا تملك الشرطة مثلها, وليست من ضمن تسليح الشرطة أصلا. فهل تنصل الداخلية من المسئولية حقيقي فعلا؟. ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القناصة تابعين لقواتنا المسلحة, التي كان لموقفها المشهود في حماية الثورة منذ لحظاتها الأولي, والامتناع عن تنفيذ الأوامر بضرب الثوار وسحقهم وإبادتهم, أثره الذي يعادل أثر الثورة نفسها, فاعلية ومشاركة, وتعبيرا عن الروح الوطنية التي تعمر قلوب قواتنا المسلحة جنودا وقادة, الذين أثبتت أحداث هذا الوطن دائما أنهم درع الشعب, وأن ولاءهم يصب باستمرار في الحفاظ علي هذا الوطن, والتلاحم مع شعبه في كل موقف يواجهه وكل تطلع وطني يسعي إلي تحقيقه. من المستحيل إذن أن يكون بعض حراس الثورة ـ من أبناء القوات المسلحة ـ هم الذين قاموا بهذا العمل الإجرامي الذي قام به القناصة. يبقي الاحتمال الثالث والأخير, والذي لم يشمله الاتهام حتي الآن, ولابد من إثارته وتقصي وجه الحقيقة فيه, حتي لا يفلت هؤلاء القتلة من العقاب. هذا الاحتمال هو أن هؤلاء القناصة كانوا تابعين للحرس الجمهوري الخاص بالرئيس السابق, وأنهم هم الذين كانوا يتولون حماية مواكبه وتحركاته في شوارع القاهرة, وكان عملهم دائما يتم من خلال الانتشار فوق أسطح المباني التي تطل علي الشوارع التي تمر فيها مواكبه, إذا فهؤلاء مدربون علي أن يكون عملهم وتنفيذهم لمهامهم من أعلي, من السطوح والشرفات المرتفعة, ولابد أن تكون أسلحتهم من النوع القادر علي التهديف والإصابة الدقيقة بواسطة التليسكوب أو أي آلية حديثة, وأن تكون هذه الأسلحة خاصة بهم ولا شبيه لها لدي العاملين في الداخلية. ولأن تبعيتهم وولاءهم وأوامرهم المباشرة لم تكن من الجيش أو القوات المسلحة فقد انفردوا بهذه المهمة الخاصة, لتصفية الثورة والثوار, كما ظنت قيادتهم, أو قائدهم الأول الذي كان يحاول إنقاذ سفينته من الغرق المحتوم. فهل آن الأوان لمساءلة هذا الاحتمال, والكشف عن حقيقته إن كان حقيقة فعلية, وصولا إلي الكشف عن صفحة قتلة الثوار, وإصابة الآلاف منهم بإصاباتهم التي تفضي إلي الموت, بعد أيام أو شهور, ونحن نودع شهداء الوطن من بينهم يوما بعد يوم حتي الآن؟ بالتأكيد لدي المجلس الأعلي لقواتنا المسلحة, ولدي قيادة الحرس الجمهوري فصل الخطاب في معضلة القناصة, والتي لم يعد حسمها مستحيلا, بعد إنكار الداخلية ـ مرتين ـ وصمت الحرس الجمهوري حتي الآن.

Share/Bookmark طباعة

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق