بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، يونيو 4

الطائفية.. وجع فى قلب مصر

الطائفية.. وجع فى قلب مصر «3».. دراسة للدكتور عماد عبداللطيف أستاذ تحليل الخطاب
علاء الغطريفي Mon, 23/05/2011 - 20:47 المصرى اليوم

تناولت الحلقة السابقة جذور الطائفية من خلال مقال الفقيه القانونى الدكتور محمد نور فرحات، الذى لفت فيه إلى قدم الاحتقان الطائفى رغم فترات الوئام الطويلة التى كان أكثرها إضاءة ثورة 1919.. واليوم زاوية أخرى فى تفاصيل الملف الطائفى تتعلق بنظرة السلطة المصرية، من بعد الثورة حتى يومنا هذا، للموضوع القبطى والأزمات الطائفية، وفيها يشرح الباحث الدكتور عماد عبداللطيف، أستاذ تحليل الخطاب بجامعة القاهرة، خطاب السلطة تجاه الأقباط بدءاً من عبدالناصر، مروراً بالسادات ومبارك، وانتهاء بالمجلس العسكرى، ويعكس لحظات مهمة فى تاريخ مصر ومساحات القرب والابتعاد بين مؤسسة الحكم والأقباط وتأثيرها على مبدأ المواطنة.

كانت مؤسسة الرئاسة المصرية منذ ثورة يوليو هى أقوى المؤسسات السياسية وأكثرها تأثيرا فى الحياة المصرية قاطبة، خاصة ما يتعلق بصياغة الخطاب العام حول المسائل والقضايا الداخلية والخارجية. ولذلك فمن الضرورى للتعرف على جذور مشكلة ما وطبيعتها أن ندرس الخطاب السياسى الرئاسى حولها، لأن هذا الخطاب عادة ما كان يمارس الدور الأكبر فى تشكيل وعى الجمهور وموقفهم وسلوكياتهم نحوها من ناحية، ويوجه السياسات العامة بشأنها من ناحية أخرى. وفى هذا الطرح الذى يقدمه الدكتور عماد عبداللطيف، أستاذ تحليل خطاب، الرؤساء بجامعة القاهرة، يلخص موجزاً عن الكيفية التى تحدثت بها السلطة فى مصر من بعد ثورة يوليو عن الأقباط عموماً وعن الأزمات الطائفية خصوصاً. وسوف نركز على خطب الرؤساء جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، وبعض بيانات المجلس العسكرى فى الشهور الأخيرة.

فى البداية يجب التأكيد على أن ذكر الأقباط فى الخطب الرئاسية المصرية عادة ما كان يأتى فى ثلاثة سياقات: السياق الأول سياق عارض هو ذكر الأقباط بمعية المسلمين للإشارة إلى عنصرى الأمة، مثل عبارة مبارك فى خطابه الشهير فى 1 فبراير 2010 «إننى أتوجه بالحديث اليوم مباشرة لأبناء الشعب بفلاحيه وعماله، مسلميه وأقباطه، شيوخه وشبابه..». أما السياق الثانى فهو سياق احتفالى، يتمثل فى خطب الرؤساء المصريين أثناء زيارتهم للكاتدرائيات أو الكنائس أو أثناء وضع حجر أساسها أو افتتاحها، أو التهنئة بعيد القيامة المجيد. وفى الحقيقة فإن الرئيس جمال عبدالناصر، كان الأكثر حرصاً على المشاركة فى هذه المناسبات، والتحدث فيها. ففى عام 1953 وحده ألقى ثلاث خطب فى ثلاث كاتدرائيات فى المنصورة والسويس وبنى سويف، وكان حرصه على اختصاص الأقباط بالحديث فى المناسبات المبهجة لهم، جزءا من استراتيجيته لتقديم خطاب سياسى متوازن لا ينطوى على أى تمييز بين المواطنين على أساس دينى. أما السياق الثالث فهو سياق الأزمات والفتن التى كانت تنشأ بين المسلمين والأقباط، التى كانت تصل ذروتها فى شكل مصادمات دامية بينهما، أو فى شكل أعمال إرهابية يشنها أفراد من أحد الطرفين على الآخر. وقد كان للرئيس السادات النصيب الأكبر من هذه الخطب بالقياس إلى فترة حكمه، فقد كان ملف الفتنة الطائفية مفتوحاً على مصراعيه طوال سنوات حكمه الإحدى عشرة.

ثوابت الخطاب الرسمى حول الملف القبطى

على اختلاف هذه الخطب الرئاسية المصرية وتنوعها يمكن أن نجد بعض ثوابت حول الملف القبطى، من أهمها إدراك أن الفتنة الطائفية هى الخطر الأكبر الذى قد يهدد الوحدة الوطنية فى مصر، وأن الملف القبطى يتسم بدرجة عالية من الحساسية والخطورة، وأنه أرض خصبة للتدخلات الخارجية التى تسعى لانتهاك سيادة الدولة المصرية وتقويض استقرار المجتمع المصرى، وأن المتسببين فى الأزمات التى قد تحدث بين المسلمين والأقباط هم دوماً قلة، فى حين أن الأغلبية الغالبة من المسلمين والأقباط يعيشون فى تآلف وإخاء. وعادة ما تستشهد هذه الخطب باللحظات المضيئة من التاريخ المصرى الحديث التى شهدت أقصى درجات التوحد بين المسلمين والأقباط مثل ثورة 1919 وحربى 1956 و1973.

مع ذلك توجد اختلافات جذرية بين خطب الحكام الذين تعاقبوا على رئاسة مصر بعد الثورة فى تصورهم لموقع الرئيس من الأزمة، وطريقة تصويرها، والسبل التى إما اقترحوها أو نفذوها لحلها. وفيما يلى استكشاف كيف تحدث رؤساء مصر الثلاثة عن الأزمة، ونبدأ بالخطاب الأكثر توازناً وفعالية الذى قدمه الرئيس عبدالناصر.

الرئيس الحكَم: عبدالناصر وترسيخ المواطنة

«إنى أحب دائماً أن أقول (مواطنى الأعزاء)، لأننا سواء فى هذا الوطن، لا فرق بين مسلم وقبطى، لأن رصاص العدو المستعمر لا يفرق بين مسلم وقبطى، وإنما يهدف إلى قلب كل مواطن، فإننا كلنا أبناء وطن واحد، وإذا ارتقى ذلك الوطن فسنرتقى، وإذا انتكس هذا الوطن فسننتكس، ولهذا ندعو دائماً للاتحاد».

هكذا تكلم عبدالناصر، وهكذا اختار طوال فترة حكمه أن يصوغ خطابه السياسى للمصريين على أساس مبدأ المواطنة، دون أدنى تمييز على أساس دينى. وارتبط بذلك حرصه كذلك على تأكيد حق المساواة بين جميع المواطنين المصريين فى كل مناحى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى مصر. والفقرة التالية المأخوذة من كلمته إثر وضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية الجديدة فى تفصيل أوجه هذه المساواة ومظاهرها:

«حينما تعرضنا للعدوان فى سنة ٥٦ وضربت بورسعيد، هل فرقت قنابل الأعداء بين المسلم والمسيحى؟‍! إننا جميعاً بالنسبة لهم أبناء مصر، لم يفرقوا بين مسلم ومسيحى. على هذا الأساس سارت الثورة، وكنا نعتقد دائماً أن السبيل الوحيد لتأمين الوحدة الوطنية هو المساواة وتكافؤ الفرص، لا فرق بين مواطن ومواطن، فى المدارس الدخول بالمجموع، مش ابن فلان ولا ابن علان، ولا مسلم ولا مسيحى، أبداً. فى الجامعة الدخول بالمجموع اللى بيجيب المجموع بيدخل، (..) مافيش تمييز بين مسلم ومسيحى اللى بيجيب النِمَر بيدخل. فى التعيينات فى الحكومة فى القضاء، بالأقدمية، اللى بيجيب نمره أحسن بيروح القضاء، مانعرفش دا ابن مين ولا دا ابن مين، ولا دا دينه إيه ولا دا دينه إيه. فى كل الوظائف نسير على هذا المنوال. فى الترقى، جميع الترقيات فى الدولة بالأقدمية لغاية الدرجة الأولى، (..) مافيش فرصة حتى للمتعصبين إنهم يتلاعبوا. طبعاً دا سبيلنا، ودا سبيل الثورة (..). احنا كحكومة وهيئة حاكمة، وأنا كرئيس جمهورية مسؤول عن كل واحد فى هذا البلد مهما كانت ديانته، ومهما كان أصله أو حسبه أو نسبه، إحنا مسؤولين عن الجميع، ومسؤوليتنا دى إحنا مسؤولين عنها قدام ربنا فى يوم الحساب. طبعاً كلنا عايزين الكمال، والكمال لا يتحقق إلا بالنضال والكفاح. معروف عندكم المثل فى هذا فى نشأة المسيحية وفى كفاح السيد المسيح، وفى الإسلام وفى كفاح سيدنا محمد..».

شهدت الفترة من 1952 إلى 1970 نزاعات محدودة بين الأقباط والمسلمين، لم تكن قائمة غالباً على أساس دينى، وإنما كانت فى معظمها نزاعات غير طائفية. فقد كان للمصريين حلم مشترك يسعون لتحقيقه، وكان هذا الحلم أساساً لبلورة هوية مصرية عربية، يتعايش فى إطارها أبناء الدينين السماويين. بالطبع كانت هناك ميول للتعصب لدى بعض الأشخاص أو الجماعات من الجانبين، لكن هذا التعصب لم يصل بالأمور إلى حد الأزمة، بسبب التأكيد على الطابع المدنى للدولة، وحرص السلطة القائمة وقتها على الوقوف فى مواجهة جماعات الإسلام السياسى من ناحية، وحرص الكنيسة المصرية على الامتناع عن ممارسة السياسة بشكل مباشر من ناحية أخرى. لكن رحيل عبدالناصر المفاجئ، وتولى أنور السادات سدة الحكم فى مصر كانا بداية تحول جذرى فى العلاقة بين المسلمين والأقباط فى مصر. وأصبحت مصر تتقلب طوال السبعينيات فوق صفيح الفتنة الطائفية الساخن.

الرئيس الخصم: السادات وتصارع الهويات الدينية

«أقول لأبنائى الأقباط، وهم يسمعونى الآن، أقول لكم ولشعبنا، إننى من يوم أن توليت الحكم فى مصر أحكم كرئيس مسلم لدولة إسلامية.. أنا قلت يجب أن نسمى الأشياء بأسمائها».

هكذا تكلم السادات فى قلب إحدى أعنف الأزمات الطائفية التى شهدتها مصر الحديثة فى منتصف عام 1980. والعبارة الموجزة تلخص إلى حد كبير الملامح الأساسية لخطاب السادات حول الملف القبطى. فالعبارة تبدأ بتعبير «أبنائى الأقباط» الذى يعكس الأبوية التى سعى السادات لترسيخها كشكل وحيد للعلاقة بينه وبين الشعب، لكن هذه الأبوية –فى حالة الأقباط- يتم نسفها بواسطة التأكيد على الهوية الإسلامية للرئيس وللدولة، وهى بالطبع هوية دينية وليست هوية وطنية. أما جملة «يجب أن نسمى الأشياء بأسمائها» فهى دالة من ناحية على طابع العنف والحدة الذى تميز به خطاب السادات حول هذا الملف، ودالة من ناحية أخرى على أن خطاب السادات حول الأزمة أحدث تحولا جذرياً فى الخطاب السياسى المصرى منذ محمد على. وهذا أمر يحتاج إلى تفصيل.

سعى السادات بعد أن أمسك بزمام السلطة فى مصر إلى إعادة تشكيل موازين القوى فى مصر، مستهدفاً إضعاف النخبة السياسية والثقافية المصرية التى كانت تتشبع بأفكار اشتراكية يسارية، وكانت وسيلته لتحقيق ذلك هى التحالف الوثيق مع جماعات الإسلام السياسى، وتقويتها، واستخدامها أداة فى مواجهة معارضيه السياسيين. ولتحقيق ذلك كان على السادات إضفاء طابع إسلامى على شخصه وحكمه.

لقد نجح السادات فى أن يقترب إلى حد كبير من الصورة الذهنية الشعبية لـ(المسلم المتدين). فقد كان حريصاً على مدار سنوات حكمه على نقل وقائع أدائه لصلاة الجمعة مباشرة على التليفزيون المصرى وعلى أن تحتل صوره وهو يصلى صدر الصفحات الأولى فى الجرائد اليومية. وغالبا ما كان الرئيس يرتدى فى هذه الصلوات (خاصة تلك التى يؤديها فى مسقط رأسه بقرية ميت أبوالكوم) العباءة، وتتدلى المسبحة من يده، ويجلس فى خشوع وورع تنجح كاميرات التصوير فى نقلهما بجلاء للمصريين. وفى كثير من الأحيان كان السادات يؤم المصلين بنفسه.

وقد توازى حرص السادات على إذاعة صلواته مع تزايد حرصه على حضور المناسبات الإسلامية، وإلقائه خطبا فيها، فى حين تراجع حضوره المناسبات المسيحية.

إضافة إلى ذلك عمد السادات إلى توظيف القرآن الكريم أداة للاحتجاج والتأثير والإقناع، وبناء الخطب السياسية على نمط الخطب الدينية، من حيث البدء بالتسمية كاملة، وختام الخطب بآيات من القرآن الكريم والأدعية الدينية. كما حرص السادات على ترويج الإعلام المصرى للقب (الرئيس المؤمن) للكناية عنه. كما ذكر محمد عبدالسلام الزيات، أحد مستشارى السادات، أنه قد أوحى للبعض بأن يُطلقوا عليه لقب «سادس الخلفاء الراشدين».

أما على نطاق الدولة فقد اختار السادات شعار «دولة العلم والإيمان» الذى يوجز المكونات الجوهرية للدولة المصرية، كما كان يراها السادات، ويؤكد ضرورة وجود طابع دينى لمصر. وقد عبر السادات بوضوح عن أن هذا الطابع الدينى هو أبرز خصائص الدولة المصرية فى عهده، فقد كان يُعرِّف نفسه بأنه «رئيس مسلم لدولة مسلمة»، و«حاكم مسلم لدولة إسلامية»، و«ولى أمر مسلم لدولة مسلمة»، و«حاكم مسلم أحكم دولة إسلامية». وتزامن هذا مع إحداث تغيير فى الدستور والقوانين المصرية يتوافق مع التحالفات التى أسسها السادات مع الإسلاميين فى مواجهة معارضيه السياسيين فى الداخل.

ربما كان من المصادفة أن طريقة بناء السادات للصورة الرمزية له بوصفه «مسلماً متدينا ورعاً» تتلاقى مع «نصيحة» سرية كانت الحكومة الأمريكية قد قدمتها لأحد أهم حلفائها فى الشرق الأوسط فى ذلك الوقت، أعنى شاه إيران. نص «النصيحة» هو أن: «الشاه يجب أن يعطى اهتماما كافيا للمسائل الدينية ويستعمل عبارات ودلالات دينية، ويجب أن يظهر باعتباره حامى الدين، وينتزع هذه المكانة من آيات الله فى «قم»، كما أنه لابد أن يظهر كثيرا لأداء الصلاة فى المساجد، خصوصا فى الأعياد والمناسبات». (نقلاً عن محمد حسنين هيكل. «المقالات الممنوعة»، «المصرى اليوم» 15/01/2008. عدد 1311). وقد جاءت هذه النصيحة فى إطار حرص أمريكا على تدعيم سلطة الشاه فى ظل وجود معارضة داخلية قوية لنظامه كان أبرز تجلياتها «ثورة مصدق». ويلمح هيكل -فى نفس المقال- إلى أن شاه إيران ربما يكون قد قدم هذه النصيحة -بمعية نصائح أخرى- إلى السادات بعد أن توطدت العلاقة بينهما، ويقترح أن يكون ذلك قد حدث تحديدا أوائل عام 1975. ويبقى مثل هذا الرأى مجرد تخمين. وتظل العلاقة بين التوصية الأمريكية، والتأسيس العلاماتى لشخصية السادات تزامنية وليست عِلِّية، حتى يتكشف جديد. لكن ما يثير الانتباه هنا أن هذه النصيحة تصبح «نصيحة مدمرة» فى حالة مجتمع متعدد الأديان، لابد أن يقف فيه الحاكم على مسافة متساوية من الجميع.

لقد شهدت فترة حكم السادات أعنف الأزمات الطائفية وأخطرها فى تاريخ مصر المعاصر، ويبدو هذا طبيعياً فى ظل حرص السادات على إنتاج خطاب سياسى يمارس أشكالا من التمييز الدينى، ويقصى فى كثير من الأحيان شرائح واسعة من المصريين من دائرة جمهوره المستهدف. لكن خطورة هذا الخطاب تتضاءل بالمقارنة بالإجراءات المادية الأخرى التى تبناها السادات، خاصة احتضان جماعات الإسلام السياسى التى كانت لديها فى ذلك الوقت عقائد بالغة التحيز والتمييز ضد غير المسلمين، بل ضد غير المتدينين من المسلمين أنفسهم. لكن الفعل السياسى الأكثر خطورة وتأثيراً فى الأزمة القبطية فى ذلك الوقت تمثل فى دخول السادات فى صراع شخصى شبه ثأرى مع القيادة الروحية للكنيسة المصرية، انتهى بفرض الإقامة الجبرية على البابا شنودة فى سبتمبر 1981. هذه الخصومة كانت انعكاساً لتحول موقف رئيس الدولة من موقع الحامى والحَكَم إلى موقع الخصم، وربما لا أكون مبالغاً إن قلت إن ما نجنيه الآن من ثمار مرة للفتنة الطائفية فى مصر هو حصاد سنوات بذر الفتنة فى السبعينيات، وأن ما نراه الآن من استقطاب على أساس دينى فى بعض شرائح المجتمع المصرى هو فصل من فصول الأزمة يسطره نفس المداد الذى سطر خطاب السادات الذى قسم المجتمع المصرى فى كثير من الأحيان على أساس عقيدى، لأغراض سياسية خالصة. وحين تولى حسنى مبارك الحكم فى مصر، كانت الأزمة الطائفية قد تغلغلت فى التربة المصرية.

الرئيس المنقذ: مبارك وتحديات الفتن والإرهاب

«ليست لدينا فى مصر مشكلة أقباط ومسلمين، فكل مصرى على أرض مصر له احترامه وحقوقه المتساوية». حسنى مبارك فى عام 1991.

«لن أتسامح مع من يحاول المساس بوحدة أبناء الشعب المصرى والوقيعة بين الأقباط والمسلمين، ولن أتهاون مع أى تصرفات ذات أبعاد طائفية من الجانبين على السواء، وسأتصدى لمرتكبيها بقوة القانون وحسمه.» مبارك فى 2011.

شهدت فترة حكم مبارك خطاباً معتدلا فيما يتعلق بالملف القبطى، فقد أعاد استخدام أساليب مخاطبة لا تنطوى على تمييز دينى، وتم التخلص من كثير من المظاهر الدينية للخطاب السياسى التى شاعت لدى السادات. ومن ثمَّ، تحرك الخطاب بعيداً عن دائرة التمييز والإقصاء الدينى التى كان يدور فيها فى عهد السادات. وتوازى ذلك مع إعادة بناء علاقة حميمة بين المؤسسة الكنسية القبطية والنظام الحاكم، طوت صفحات الصراع المشتعل بينهما فى السبعينيات. وقد أدى هذا إلى التخلص إلى حد كبير من التنازع بين الكنيسة والدولة. لكن التخلص من هذا التنازع لم يؤد إلى زوال أكثر مسببات الفتنة، وهو ما يرجع إلى أسباب منها، أولا: الشحن الطائفى طوال فترة السبعينيات لم يكن من السهل بمكان تفريغه دون تهيئة الأجواء لمجتمع مدنى ديمقراطى حقيقى، ولم يكن هذا ضمن أهداف النظام الحاكم طوال فترة حكمه. ثانياً: تزايد مساحة التدخل الخارجى فى الأزمة الطائفية فى مصر، وتنامى الدور الذى تلعبه قوى معادية لمصر استراتيجياً مثل إسرائيل فى تأجيج الفتن الطائفية، بوصفه وسيلة فعالة فى إضعاف مصر وتمهيداً لتحقيق حلمهم بتفتيتها على أساس طائفى فى المستقبل. ثالثاً: تنامى المساحة التى تشغلها الخطابات الدينية المتشددة من الجانبين الإسلامى والمسيحى، خاصة فى عصر السماوات المفتوحة وتقنيات التواصل الجماهيرى، ومع تراجع مستويات الثقافة والتعليم فى ربوع مصر وجدت هذه الخطابات المتشددة أرضاً خصبة للاستنبات والازدهار، وعضد من ذلك أن الدولة لم تتخذ أى خطوات فعالة لمواجهة هذه الخطابات لا بتفعيل القوانين التى تعاقب على الخطابات التى تحض على الكراهية أو العنف أو التحريض أو تمارس تمييزا بين المواطنين على أساس دينى، ولا بمواجهة حضارية ثقافية تكشف عن تهافت خطابات التعصب وضيق أفقها وخطورتها على الوطن والمجتمع. رابعاً: إن العلاقة بين المؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية والمسيحية والنظام الحاكم تجاوزت علاقة التعاون إلى علاقة التحالف، فمؤسسة الأزهر الشريف كانت عادة ما تتخذ مواقفها فى توافق مع مصالح النظام الحاكم، وكذلك المؤسسة الكنسية فقد كانت –فى كثير من الأحيان- تتخذ مواقف سياسية مؤيدة للنظام الحاكم فى أمور كان يجدر بها أن تترك لرعاياها حرية الاختيار فيها، خاصة أمور الانتخابات النيابية والرئاسية. وقد أدى هذا إلى إضعاف مؤسسة الأزهر فى مواجهة المتشددين الإسلاميين من ناحية، وتوجيه اتهامات للكنيسة بالجمع بين السلطتين الروحية والزمنية من ناحية أخرى. خامساً: ترك أكثر الملفات تأثيرا فى إذكاء الفتنة مفتوحاً على مصراعيه، دون محاولة حقيقية لسد فوهات النيران التى تنبعث منها، خاصة مسألة بناء دور العبادة، التى لم يصدر بشأنها قانون موحد حتى الآن.

لقد استخدم الخطاب السياسى لمبارك عدة استراتيجيات للتعامل مع الملف القبطى، الاستراتيجية الأولى هى القفز على الأزمة الطائفية من خلال إنكار وجودها، وتأكيد أن ما يحدث إنما هو محاولات فردية بالغة المحدودية ليس لها تأثير على النسيج الوطنى. هذه الاستراتيجية للإنكار تسير بالتوازى مع استراتيجية التهديد، التى تشيع فى خطاب مبارك، وغالباً ما يكون التهديد موجهاً نحو «الأصابع الخفية» التى تعبث بالوحدة الوطنية. هذه التهديدات كانت عادة ما تعكس الميل لتفضيل التعامل الأمنى مع الأزمة، خاصة فى ظل غياب مفاهيم المواطنة الحقيقية وأجواء الحرية التى تتيح ممارسات سوية للهوية الوطنية. فى إطار خطاب التهديد عادة ما كان النظام الحاكم يقدم نفسه فى صورة المنقذ فى سيناريو يتضمن قوى شريرة داخل المجتمع وخارجه، لا يتم تسميتها بل وصفها بصفات شريرة، تتحرك فى الظلام، بهدف زعزعة الوحدة الوطنية، وتعريض مستقبل حياة المصريين للدمار. هذه القوى الخفية بلا ضمير، ولا عقل، ولا يحركها سوى أغراض ومطامع شخصية شريرة. ودور الرئيس المنقذ هو القضاء على قوى الشر والفتنة. والسبيل لتحقيق ذلك هو تكاتف المؤسسات الدينية مع النظام الحاكم فى مواجهة تلك القوى الشريرة. وهكذا استطاع النظام إنشاء علاقة تحالف سياسى مع الكنيسة المصرية تقوم على معادلة التأييد فى مقابل الحماية. وهى معادلة لا يمكن تخيل وجودها فى ظل مواطنة حقيقية تتيح لجميع المواطنين حقوقاً متساوية.

رسائل المجلس الأعلى للقوات المسلحة: الفتنة الطائفية بين إرث التعصب والثورة المضادة

أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة عدة رسائل تتعرض للأزمات الطائفية التى شهدها المجتمع المصرى منذ ثورة 25 يناير، منها رسائل رقم 37 و47 و48. أبرز ما يميز هذه الرسائل أنها تستهدف بالأساس لفت انتباه المجتمع المصرى إلى خطورة الاحتكاكات الطائفية على أهداف الثورة المصرية. كما أنها تنجز أفعال التهديد الخطابى ضد من «يزرعون الفتنة بين أبناء مصر»، هؤلاء الذين أطلق عليهم المجلس تسمية «قوى الشر والظلام». وفضَحَ ارتباطهم بالقوى الخارجية التى «تحاول تمزيق النسيج الوطنى».

من الطبيعى أن يكون ملف الفتنة الطائفية حاضراً بقوة فى خطاب المجلس العسكرى فى الوقت الراهن، فقد أتاحت الثورة، بعد أن قضت على سلطة القسر والقهر، التى كانت سيفاً مسلطاً على الجميع، فضاءً واسعاً لجميع فئات المجتمع وطوائفه للتعبير عن معتقداتها ومواقفها وآرائها. فأصبح الفضاء العام يعج بخطابات شتى لجماعات شتى، وتزامن ذلك مع غياب تطبيق القوانين الصارمة التى توجد فى معظم دول العالم لتنظيم الخطابات الجماهيرية. وتزامن هذا مع أمرين بالغى الخطورة، الأول: سعى محموم من قِبَل القوى المناهضة للثورة داخلياً وخارجياً للقضاء على الثورة وتحجيم منجزاتها، بأساليب من بينها دفع مصر إلى حافة اقتتال طائفى لا يبقى ولا يذر، والثانى: تزايد شوكة الجماعات الدينية التى تقوم بإنتاج خطاب دينى بالغ التطرف والتعصب. فوضع الزيت فوق النار واشتعلت الفتنة أكثر من مرة. ولا تزال قابلة للاشتعال. وعلى الرغم من أن خطاب المجلس الأعلى يحاول مواجهة الأزمة بواسطة إنتاج خطاب متوازن يتعامل بشفافية وصراحة مع الواقع فلا يزيفه أو ينكره، فإن حل الأزمة فى حالتها الراهنة لا يمكن أن يتحقق إلا بخطوات عملية على أرض الواقع تواجه الخطاب الذى يحض على الكراهية والتحريض بحسم كامل، وتنجز بفاعلية مبدأ سيادة القانون فيما يخص تنظيم الخطابات الجماهيرية بما يحول دون التحريض والتمييز الطائفى، وتضع خططاً لمعالجة الأسباب المزمنة للأزمة مثل بناء بيوت العبادة وتدنى مستويات التعليم والثقافة

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق