بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، يونيو 18

كيف تحب اللة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

كيف نحب الله جل جلاله وتقدست أسمائه
اعلم أن المحبة لله هي الغاية القصوى ، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها, كالشوق والأنس والرضا ، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو من مقدماتها ، كالتوبة والصبر والزهد وغيرها .
1- شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى-
إن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فرض .
ومن شواهد المحبة قوله تعالى: ( يحبهم ويحبونه )
وقوله تعالى: ( والذين آمنوا أشدّ حباً لله).
وهذا دليل على إثبات الحب لله ، وإثبات التفاوت فيه.
سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أعددت لها ؟) .
قال: يا رسول الله: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ، ولا صوم ، ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنت مع من أحببت ). متفق عليه.
قال أنس – رضي الله عنه-: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام ما فرحوا بهذا الحديث.
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة ؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) . رواه أحمد
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة فقال: ( أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) . رواه الترمذي.
2- حقيقة المحبة وأسبابها. وتحقيق معنى محبة العبد لله تعالى-
إن معنى محبة العبد لله تعالى لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها، ثم معرفة شروطها وأسبابها، ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق الله تعالى:
فأوّل ما ينبغي أن يتحقق ، أنه لا يتصور محبته إلا بعد: 1- معرفة 2- وإدراك.
إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه، ولذلك لم يتصوّر أن يتصف بالحب جماد ، بل هو من خاصية الحي المدرك . ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذّه، وإلى ما ينافيه ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ. فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك ، وما يخلو عن استعاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً.
فإذن: كل لذيذ محبوب ، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه، ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه.
فالحب: عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً.
والبغض: عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً. فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته.
ولما كان الحب تابعاً للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات.
فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة ...، ولذة الأذن ..، ولذة الشم ...، ولذة الذوق ..، ولذة اللمس ...
ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة، أي كان للطبع السليم ميل إليها حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حبب إلى من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة ) رواه أحمد وغيره
فسمى الطيب محبوباً ومعلوم أنه لاحظ للعين والسمع فيه؛ بل للشم فقط .
وسمى النساء محبوبات ولا حظ فيهن إلا للبصر واللمس دون الشم والذوق والسمع.
وسمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات.. ومعلوم أنه ليس تحظى بها الحواس الخمس، بل حس سادس ظنته القلب لا يدركه إلا من كان له قلب.
ولذّات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان، فإن كان الحب مقصوراً على مدركات الحواس الخمس - حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب -فإذن قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس الذي يعبر عنه إما بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات، فلا مشاحة فيه ، فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكاً من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة - كما سيأتي تفصيله - فلا ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواس أصلاً.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق