بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، يونيو 17

ممر التنمية

تحيطه المخاوف والآمال
مشروع ممر التنمية بوابة مصر إلي نادي الدول الكبرى

محيط ـ جمال الملاح

في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية العصيبة التي تمر بها مصر حالياً، زفت حكومة شرف خبراً ساراً للمصريين، تمثل في الإعلان عن تبني الحكومة المصرية رسمياً مشروع "ممر التنمية والتعمير"، الذي اقترحه العالم المصري الدكتور فاروق الباز، ليكون مشروعا قوميا يشارك فيه الشعب لإحداث نقلة نوعية للتنمية في مصر مع دراسة ربطه بمشروع التنمية العمرانية الاجتماعية وبناء مليوني وحدة سكنية‏.‏
وهذه ليست المرة الأولى التي يتقدم بها العالم المصري الشهير بمشروع ممر التنمية، فقبل أكثر من 25 عاما تقدم الباز بهذا المشروع للحكومة المصرية للمرة الأولى، إلا أنه لم يجد استجابة، فظل خلال هذه الفترة يجري المزيد من الأبحاث لتطوير المشروع وقدمه مرة أخرى لحكومة رئيس الوزراء السابق أحمد نظيف عام 2005 ولكن تم تجاهله أيضاً.

مضمون المشروع

يتضمن مقترح ممر التعمير إنشاء:
1- طريق رئيسي يعتبر المحور الأساسي للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدأ من غرب الإسكندرية، ويستمر حتى حدود مصر الجنوبية بطول 1200 كيلومتر تقريباً.
2- اثني عشر محورا من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني على طول مساره بطول كلي حوالي 800 كيلومتر.
3- شريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي.

4- أنبوب ماء من بحيرة ناصر جنوباً حتى نهاية الممر على ساحل البحر المتوسط.
5- خط كهرباء يُؤمن توفير الطاقة في مراحل المشروع الأولية.
وتبلغ تكلفة المشروع الاستثمارية 24 مليار دولار، وسيتم تمويله من خلال اكتتاب شعبي في مرحلته الأولي ثم اكتتاب للمستثمرين العرب ثم الأجانب، ومن المتوقع أن يتم تنفيذه علي مرحلتين في مدة عشر سنوات تقريبا.

الدكتور الباز علق على المشروع بالقول أن مصر الآن أمام أهم مشروع قومي لها للدخول في نادي الدول الكبرى، وسوف يفتح آفاقا جديدة للعمل والتمتع بثمار الإنجاز في مشروع وطني من الطراز الأول، وخلق الأمل لدى شباب مصر وذلك بتأمين مستقبل أفضل.

أصوات خائفة

رغم أن الإعلان عن المشروع القومي الجديد أوجد حالة من الفرحة والسعادة ممزوجة بالأمل في مستقبل جديد لمصر، إلا أن ذلك لم يمنع وجود أصوات تتخوف على مستقبل المشروع وتحذر من إمكانية أن يلقى نفس مصير مشروع توشكى الفاشل، والذي تبناه النظام السابق وكلف خزينة مصر أكثر من 14 مليار جنية دون تحقيق أي أهداف.

ويرى البعض أن عرض المشروع في هذا التوقيت في غير محله، فمصر تمر الآن بمرحلة انتقالية، وهو ما يعني أن الحكومة لا ينبغي لها أن تضع التزامات على البلاد في مشروعات طويلة الأجل مثل مشروع ممر التنمية الذي سيتكلف عشرات المليارات دون دراسات كافية وشاملة من جميع الجهات وأخذ الوقت اللازم، بينما تحتاج البلاد في تلك الفترة إلى مشاريع ذات عائد اقتصادي واجتماعي سريع وذات مستوى مخاطرة منخفض، وهو حتما ما لا يوفره هذا المشروع.

وتكمن أهم مخاوف الخبراء في اعتماد المشروع على المياه، في ظل أزمة طاحنة بين مصر ودول حوض النيل حول حصة مصر من المياه، ويتساءل البعض كيف يراد لمشروع التنمية نهضة نصف مليون قرية وحصتها من المياه محدودة وفي سبيلها للنقصان في ظل محاولات بعض دول حوض النيل إقامة سدود على مجرى النيل من شأنها تقليل حصة مصر من المياه لتصل إلى 40 مليار متر مكعب بدلا من 55 مليار، وفي ظل ندرة المياه الجوفية في الصحراء الغربية التي سيقام عليها مشروع ممر التنمية، كما أن السحب الكثيف من المياه الجوفية التي يتطلبها هذا المشروع سوف يجعل المشروع برمته مشكوكا في جدواه الاقتصادية وفى استمراره  سواء من حيث توافر المياه الجوفية أو تكلفة استخراجها، بحسب منتقدي المشروع.

وكان الدكتور الباز قد أكد ضرورة توفير مياه الشرب للمنطقة المراد تنفيذ المشروع فيها عبر ضخ أربعة مليارات متر مكعب من المياه في العام ونقل 20 مليون مصري إلي هناك مما جعل خبير الجيولوجيا المصري الدكتور مغاوري دياب خبير جيولوجيا المياه يؤكد ـ خلال ندوة «المياه الجوفية بمصر» أقيمت بساقية الصاوي ـ استحالة تنفيذ المشروع لأن احتياجات 20 مليون مصري ستصل إلي 20 مليار متر مكعب في العام، كما أن محور أسيوط غير صالح للزراعة كما أكد الباز، بحسب الدكتور مغاوري.

بينما رأي الدكتور سامر المفتي إن 80% من مشروعات ممرات التعمير علي مستوي العالم فشلت طبقًا لبيانات وتقارير البنك الدولي والذي أعلن عن عدم قيامه بتمويل مثل هذه المشروعات. وأضاف ـ رداً على إمكانية أن يمول المستثمرون المشروع ـ أن المستثمرين لن يجازفوا بتمويل مثل هذه المشروعات. وقال مغاوري إن المشروع الذي ورطت فيه الحكومة الدكتور الباز من أجل نقل الحياة خارج الوادي الضيق تجاهل الواقع تمامًا واعتمد علي دراسات غير صحيحة.

الدكتور فاروق الباز
المخاوف نفسها حذر منها العالم المصري المهندس الاستشاري الدكتور ممدوح حمزة، الذي رأي أن مشروع "ممر التنمية" يعد من أهم الأسباب التي دفعت بوروندي للتوقيع على مبادرة "وادي النيل"، وذلك لاعتماد المشروع على مياه النيل بشكل أساسي، مؤكداً استحالة تنفيذ أهداف المشروع، والممثلة في انتقال 20 مليون مواطن وزراعة مليون فدان، بسبب عدم وجود أراضٍ قابلة للزراعة أو مياه جوفية في الأماكن المحددة له.

وأضاف الدكتور حمزة أن تخطيط مشروع ممر التنمية يعيد نفس الخطأ الذي تم ارتكابه عند إنشاء عدد من المدن الجديدة، مثل 6 أكتوبر والشيخ زايد والتي تم إنشاؤها بالقرب من العاصمة، مما أدى إلى مزيد من الضغط عليها بدلا من التخفيف من الزيادة السكانية بها، حيث إن المشروع في حالة تنفيذه سيشكل ضغطا على وادي النيل بدلا من تخفيف الضغط عليه.

أمل ... رغم الانتقادات

الدكتور فاروق الباز رد على تلك الانتقادات والمخاوف بالتأكيد على أنه ليس هناك أي خطر من السدود الإثيوبية المقامة على نهر النيل على حصة مصر من المياه، مرجعًا ذلك لكون معظمها لتوليد الكهرباء، بل طالب بأن تقوم مصر ببناء تلك السدود في إثيوبيا بنفسها.

ورأي الباز أن مشروع ممر التنمية سيساهم في توطيد العلاقات المصرية الأفريقية، وعودة النفوذ المصري في وسط وجنوب القارة السمراء، وأشار خلال محاضرة بمكتبة الإسكندرية بعنوان: "ممر التعمير في الصحراء الغربية.. وسيلة لتأمين مستقبل الأجيال القادمة في مصر"، إلى إمكانية التوسع في المشروع مستقبلاً، بحيث من الممكن أن يصل إلى السودان، ثم يستمر جنوبًا إلى أن يصل إلى كيب تاون بجنوب أفريقيا، بينما قال الدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء، إن ممر التنمية يحقق التواصل مع القارة الإفريقية باعتباره طريقاً يربط بين الإسكندرية ومدينة كيب تاون"بجنوب أفريقيا، حيث يمثل ممراً للتجارة الإفريقية كما سيجعل منها بوابة لأفريقيا على العالم.

وحول الانتقادات بأن مشروعات ممرات التعمير علي مستوي العالم مصيرها الفشل طبقًا لبيانات وتقارير البنك الدولي أورد الباز أمثلة على دول طبقت مبدأ الممرات لتحقيق التنمية ونجحت؛ منها الهند التي أصبحت اليوم متقدمة في الكثير من المجالات بعد أن كانت تعاني في الخمسينات من القرن الماضي من مجاعات يموت فيها الآلاف سنويا، بينما أصبحت الآن تصدر القمح رغم تعداد سكانها الكبير.

وأوضح الباز أن مشروع ممر التنمية سوف يحقق العديد من المزايا؛ منها: الحد من التعدي على الأراضي الزراعية التي أثبتت الدراسات، أنه في حال استمرارها بالمعدلات الحالية فإن جميع الأراضي الزراعية في مصر ستختفي على إثر زحف العمران في خلال 183 سنة، كما سيوفر فرصة إعداد عدة مناطق لاستصلاح الأراضي غرب الدلتا ووادي النيل، لافتا إلى أنه على سبيل المثال فإن هناك منطقة بين كوم أمبو وأسوان تعد من أحسن الأماكن للزراعة؛ إذ إن بها حوالي نصف مليون فدان صالح للزراعة.

وبين من يرى أن مصر اليوم وفى ظروفها الراهنة لا تستطيع تحمل العواقب الاقتصادية والاجتماعية لمغامرات بهذا الحجم، ومن يرى أن البلاد تحتاج في تلك الفترة لمشروع قومي يعيد الروح الوطنية إلى الشخصية المصرية، يظل مشروع ممر التنمية ـ رغم المخاوف والانتقادات ـ هو الأمل، الذي يمكنه أن يعزز روح المواطنة لدى المصريين، ويكون نبراساً ينير الطريق نحو مستقبل أفضل لمصر وشعبها، بعد أكثر من ثلاثين عاما عجاف. 

** وحدة الدراسات المتخصصة ـ مركز البحوث والدراسات الإعلامية 

تاريخ التحديث :-
توقيت جرينتش :       الخميس , 14 - 4 - 2011 الساعة : 1:9 مساءً
توقيت مكة المكرمة :  الخميس , 14 - 4 - 2011 الساعة : 4:9 مساءً

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق