بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، يونيو 8

مستقبل المياة فى دول حوض النيل


تي الجزء الأكبر من المياه التي تصل إلى مصر في الوقت الحاضر منالمرتفعات الاثيوبية والهضبة الاستوائية اللذين يشكلان معا حوالي 20% منمساحة حوض النيل ويأتيان بحوالي 96% من مياهه. ويقع باقي حوض النيل فيمناطق قاحلة أو شبه قاحلة قليلة الأمطار تتبدد فيها المياه إما بالبخر أوالتسرب فلا يصل منها غلى مصر إلا قليلها الذي لا يتناسب وحجم الحوض العظيملنهر النيل الذي تقارب مساحته عشر مساحة القارة الأفريقية.ولم يكن الأمر كذلك في ماضي الزمان. فعند نشأة النيل الحديث منذحوالي عشرة آلاف سنة كانت الأمطار تتساقط على جزء كبير من هذه المناطقالجافة فدفعت بالنهر إلى مصر فالبحر الأبيض المتوسط وجعلته دائم الجريانعلى مدار العام. ولما تراجعت جهة الأمطار إلى الجنوب منذ خمسة آلاف سنة قلايراد النيل في مصر وأصبح قريبا من الذي نعرفه اليوم. ولولا عبقريةالمصرية الهندسية وجهد الفلاحين الجماعي في قديم الزمان وفي حديثه لماتحقق لمصرهذا الكم من الماء الذي تستخدمه اليوم، بل وربما لما وصل إليهابهذا الانتظام.وقد تعلم المصريون لذلك منذ أقدم الأزمنة على أن يدبروا ما يلزمهممن الماء بتخزينه وقت وفرته لاستخدامه وقت ندرته كما أن عليهم أن يطهرواالنهر من رواسبه حتى لا يمتلئ بالطمي وتختفي مياهه فيها.ويجعل المطر الأقاليم الواقعة في مناعب النيل غنية بمصادر المياهعلى أنه لا يوجد في الوقت الحاضر تقدير دقيق للكمية التي تكتبها الأمطارفي مياه الأنهار. فقد اختلف التقدير من مصدر إلى آخر وقد حاولت التفويقبين مختلف هذه التقديرات وخاصة تلك التي جائت في تقرير البنك الدولي لعام1992 (الجدول 33 الصفحة 282 من الطبعة الانجليزية) ومعهد المصادر الطبيعيةالعالمي 1992/1993 (الجدول 22-1) وبحث الدكتور عبد الهادي راضي (1990)وجئت بالأرقام المدرجة بالجدول التالي والتي تمثل في رأيي التقديرات التيتنسق والمعلومات المتاحة عن كمية الأمطار التي تسقط في مختلف أرجاء الحوضومقادر البخر والتسرب فيها. وبالجدول تقدير لكمية المياه المتاحة لكل دولةحوضية من الأمطار والأ،هار والخزان الجوفي (المياه الأرضية). ويقل الكميةالمتاحة لمختلف الدول من الأمطار عن تلك التي قدرها عبدالهادي راضي إلىالربع.ويتضح من الجدول أن الماء المتاح لسكان دول الحوض والذين يبلغونحوالي 200 مليون نسمة هو حوالي 471 بليون متر مكعب يأتي حوالي 35% منها منالأمطار وحوالي 46% من الأنهار وحوالي 19% من الخزان الجوفي. ويبين الجدولأيضا أن مقادراعتماد مختلف دول الحوض على مياه نهر النيل يختلف من بلد إلىآخر فهو بالنسبة لمصر مصدر أساسي للمياه فهو يزودها بحوالي 90% منها – أمافي البلاد الأخرى فهو يزودها بنسب تتفاوت من 46% في حالة السودان إلىحوالي 18% في حالة كينيا – وبالجدول أيضا معامل جديد أدخلته لبيان مقدارالتنافس على الماء وهو عدد قليل من يتنافسون على استخدام كل مليون مترمكعب متاح. وقد اترح هذا المعامل خليل معلوف.الماء المتاح ومعامل التنافس على الماء في بعض دول حوض النيلالبلد عدد السكان (بالمليون) سنة 1990 الماء المتاح (بليون متر مكعب) معامل التنافس على الماء عدد الذين يتنافسون على مليون م2 مطر أنهار * جوفي جملة مصر 52.4 1.5 55.5 0.5 57 920السودان 25.2 46 46 8 100 252اثيوبيا 49.2 40 90 30 150 328كينيا 24 15 3 4 22 1090تنزانيا 27.3 34 19 23 76 359أوغندة 18.8 34 6 29 66 285جملة 196.7 167.5 219.5 89 471 417 شاملة جميع الأنهار بما فيها نهر النيل ويبين الجدول أن كينيا ومصر هما أفقر دول الحوض في مصادرهماالمائية ولذلك فهما يصنفان ضمن الدول الواقعة تحت وطأة الفقر في المياه –وان كانت ندرة الماء فيها لا تقاس بما تعافيه الكثير من دول الشرق الأوسطحيث يرتفع معامل التنافس على الماء في الأردن إلى 5060 وفي اسرائيل إلى2300 وفي الضفة الغربية وغزة (فلسطين) إلى 15.380 – أما باقي دول الحوضفالماء فيها وفير لا يجوز أن يكون عائقا للتقدم.واذا أخذنا دول حوض النيل مجتمعة فإننا نجد أن ما يخص الفرد فيهافي السنة هو 2420 مترا مكعبا ويزيد نصيب الفرد عن هذا المتوسط العام فيالودان واوغندا وتنزانيا إلى 3970 و3500 و2780 متر مكعب كما ينخفص إلى 916و1180 مترا مكعبا في كل من مصر وتنزانيا وكينيا على التوالي.على أن توفير الغذاء لا يعتمد على الماء فقط ، بل وعلى مساحة الأرض التي يمكن زراعتها بالنسبة لعدد السكان أيضا.وفي الجدول التالي بيان بمساحة الأرض المزروعة فعلا في دول حوضالنيل الأساسية سواء على الأمطار أو على مياه النيل. وقد أضفت بالجدولمعاملا جديدا أسميته معامل التنافس على الأرض وهو متوسط عدد الناس الذينيعيشون على كل كيلو متر مربع واحد من الأرض الزراعة. ويعطي هذا العددمؤشرا على قدرة الدولة على الاكتفاء الذاتي من الغذاء والذي قدرت أنه يمكنأن يتحقق لو أنها زرعت ثلث أراضيها بالحبوب اللازمة لإطعام السكان. وفيتقديرنا أن حجز ثلث أراضي الدولة لزراعة الحبوب لن يحرمها من مزاياهاالزراعية الأخرى أو من انتاج المحاصيل اللازمة للعناصر الأخرى مناستهلاكها الغذائي أو لخاماتها الزراعية. فاذا افترض أن انتاج الكيلو مترالمربع (238 فدان) هو 480 طنا من القمح (بافتراض أن متوسط انتاج الفدان هو2 طن تقريبا) وأن متوسط استهلاك الفرد من الحبوب هو 220 كيلو جرام فيالسنة (بمعدل 600 جرام في اليوم) فيكون انتاج ثلث الكيلو متر المربع كافيالحوالي 725 فردا. وعلى ذلك فإن زاد عدد السكان الذين يعيشون على الكيلومتر المربع عن هذا العدد عجزت الدولة عن تحقيق اكتفائها الذاتي من الحبوب.الأرض المزروعة بدول حوض النيل الأساسية ومعامل التنافس على الأرض فيهاالبلد عدد السكان(بالمليون)1990 مساحة الأرض الزراعية ألف كيلو متر مربع معامل التنافس على الأرضعدد السكان الذين يعيشون على الكيلو متر المربعمصر 52.4 51 1 52 1010السودان 25.2 18 55 73 345اثيوبيا 49.2 1.6 65 66.6 378كينيا 24 0.5 24 24.5 980تنزانيا 27.3 1.1 30 31.1 878اوغندة 18.8 - 20 20 940 ويتضح من الجدول السابق أن دول الحوض فيما عدا السودان واثيوبيا لاتستطيع أن تكتفي ذاتيا من العذاء اذا استمر حجم الاستخدام الحالي للأرضوالمياه ونمطه على ما هو عليه الآن وجميع دول الحوض تستورد بالفعل الحبوبعلى نطاق واسع. وحتى السودان واثيوبيا اللذان يظهران في الجدول على أنهماقادران على الاكتفاء ذاتيا يستوردان الحبوب أيضا. فقد استورد السودان 707ألف طن من الحبوب واثيوبيا 609 ألف طن من سنة 1987 ولعل السبب في ذلك يعودإلى نقص مساحة الأرض المستخدمة في الزراعة لانتشار الحرب الأهلية ف يكلاالبلدين. أما مصر فإنها تزرع حوالي ثمن أراضيها المحصولية بالقمح، ولذلكفإن استيرادها كبير من الحبوب بلغ في سنة 1987 حوالي 9.326 مليون طن وهيكمية لو أضيفت إلى الانتاج المحلي لأعطت متوسطا لاستهلاك الفرد الواحد فيحدود 250 كيلو جرام وهو استهلاك يزيد كثيرا عن الاستهلاك الذي بنينا عليهالجدول السابق.والشئ الذي يمكن أن نخرج به، من هذا الجزء هو أن الامكانياتالمائية والزراعية المتاحة لدول حوض النيل كبيرة جدا، فهناك فائض كبير فيالماء وفي الأرض. وقد رأينا أن كمية المياه المتاحة لدول الحوض هي في حدود470 مليون متر مكعب لا يستغل منها في الوقت الحاضر إلا 227 بليون متر مكعببنسبة 47% منها. أما الأراضي القابلة للزراعة فهي في حدود 450 ألف كيلومتر مربع لا يزرع منها في الوقت الحاضر أكثر من 267 ألف كيلو متر مربعبنسبة 60% منها.وبطبيعة الحال فإن هذه المياه والأراضي التي لم تستغل بعد غيرموزعة توزيعا متساوريا بين دول الحوض، ففي اثيوبيا واوغندة وحدهما 60% منفائض مياه حوض النيل، تليهما تنزانيا بفائض يبلغ حوالي 72 بليون متر مكعببنسبة 18% منه، وأكثر بلاد الحوض حاجة إلى الأرض والماء هما مصر وكينيااللذان لابد وأ، يسبقا في عمليات ترشيد استخدام المياه والتركيز علىالزيادة الرأسية في أرضيهما الزراعية.واذا أضنا الى امكانيات دول الحوض الزراعية امكانيات توليدالكهرباء فإننا نجد أ،ها كبيرة جدا. وقد لمسنا طرفا منها عند الحديث عنالنيل الأزرق. ولكن هناك الامكانيات الكبيرة التي تتيحها الأنهار الأخرىالمنحدرة من المرتفعات الاثيوبية ومن الهضبة الاستوائية حيث يسقط النهرسقوطا كبيرا وحيث تكتنفه الشلالات ومساقط المياه. ولن يجيئ بطبيعة الأحوال تنمية هذه الامكانيا دون مشاكل لعل فيمقدمتها ما سوف يحدث من خلل بيئي اذا ما تم التوعس في الزراعة المروية وفيالصناعة في دول أعلى الحوض دون أخذ أثرها على البيئة في الاعتبار، فان هذهالعملايت ستؤثر على نوعية ودرجة ملوحة ماء النيل الذي سيصل إلى دول المصب،وهو أمر ينبغي أن يدخل في الاعتبار عند تنظيم مياه النيل في التسقبل. إذلا تحتوي الاتفاقية بين مصر والسودان على أي مادة تؤكد أهمية وصول المياهمن دولة المنبع دون أن تتلوث أو تتغير طبيعتها بما يؤثر على دولة المصب.وتعاني مصر الآن من تدهور نوعية المياه نتيجة عمليات التوسع الزراعيوالصناعي التي حدثت في الماضي دون الانتباه لآثارها البيئية وينبغي ألاتتكرر هذه العملية في مستقبل الأيام.ولا أريد أن أترك القارئ في نهاية هذا الكتاب بالأمل الكاذب في أنتنمية حوض النيل أو تقنين توزيع مياه المتوفرة بما يعود بالفائدة على جميعسكان الحوض هو أمر قريب. فلا زالت دول الحوض بعيدة كل البعد عن معرفةامكانياتها الحقيقة أو تبني رؤية لمستقبلها ولدورها في العالم. وليس لأيمنها الثقة في النفس أو الارادة الحقيقية للقيام بأعمال ذات فائدة عامة،فكل وقتها ضائع في حروب ومنازعات قبلية بل ودينية أيضا. وسياساتهاالاقتصادية تدور حول الاقتراض لحل أزمتها الوقتية والمتعاقبة، ومد اليدطلبا للمعونات، وليس أدل على عدم الثقة في النفس من نزوح الأموال منهاوبمعدلات تزيد في معظم بلاد الحوض على مجمل ديونها المحلية والخارجية

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق