بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، يونيو 3

الحفيظ جل جلاله (1)

أسمـاء الله الحسنى » الحفيظ جل جلاله (1)

الحفيظ جل جلاله (1)
* بقلم/ خالد بن محمد السليم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أكرم خلقه أجمعين وبعد :
فإنه الله سبحانه قد عمّ بحفظه جميع مخلوقاته وأحاطت رعايته كل من في سماواته وأرضه ,فما من مخلوق ولو صغر حجمه وقل نفعه إلا وربنا يرعاه ويكلؤه بعنايته؛ فيحفظ الكافر مع كفره به ويصرف عنه المكروهات والمصيبات , وهو مقيم على الشرك والسيئات فمن للمخلوقات سواه جل في علاه! قال تعالى : }وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ{[سبأ:21] وسخر الله لهم حفظة من بين يديه ومن خلفه { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد:11]
"أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حَرَس بالليل وحَرَس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات،
قال ابن عباس(( هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه))[1],وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له (3) مَلَك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال الملك: وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه"[2].
فكم في اليوم والليلة من بلاء صُرف أو موقف هالك انعقدت أسبابه وتحقق العبد منه هلاكه فينجيه الله منه .{قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر... قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب }[الأنعام:63 ,64]
وذلك الحفظ منه سبحانه لمن في الكون جميعاً في آنٍ واحد لا يثقله ولا يعجزه { ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم}[ البقرة:255]
فإذا كان هذا الحفظ يجريه الله لمن أشرك به وكفر فما ظنك بحفظه لأوليائه ومقربيه ! فلا ريب أنه حفظ خاص يفوق الأول قدراً ونوعاً
فقصة يوسف عليه السلام في مشاهدها كلها دليل على مدى حفظ الله لعباده الصالحين ولأولادهم أيضاً فانظر كيف نجاه من القتل بعد أن تآمروا عليه وكادوا يقتلوه ,ثم ألقي في الجب فلولا عناية الله لهلك في وسطه وأعظم من ذلك كله أن حفظ عليه دينه وصرف عنه السوء والفحشاء بعد أن تهيأت له كل أسباب المعصية مع بعد الرقيب وغياب المربي وقلة المعين وقوة الداعي وكمال الحسن وجمال الصورة فيختار السجن على اللذة الحرام والبلاء على المتعة المزيفة {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ,فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن}[يوسف:33, 34]
ويلتقم الحوت نبي الله يونس فلا يكسر له عظماً ولا ينهش له لحماً بل يلقيه في البر سالماً معافى بأمر الله لما تاب وأناب .
ويتآمر أعداء الله على خليل الله ليحرقوه فيقذفونه في النار التي طالما جمعوا لها فلا تفعل فيه شيئاً لما جاءها الأمر من الله كوني برداً وسلاماً على إبراهيم .
ويقف موسى عليه السلام ومن معه على ضفة بحر الخضم ويتبعهم أعداؤهم من خلفهم ليقضوا عليهم وليس بين الفريقين إلا بضع أمتار حتى قال أصحاب موسى {إنا لمدركون ,قال كلا إن معي ربي سيهدين ,فأوحينا إلى موسى إن اضرب بعصاك البحر فانفلق ,فكان كل فرق كالطود العظيم }[الشعراء:61, 62, 63].
وقصص القرآن ملأى بنجاة المؤمنين في أشد اللحظات يأساً واستبعاداُ حتى يظن العبد منهم أنه قد هلك فيأتيه الفرج والنجاة من حيث لا يحتسب {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء }[يوسف: 110]
ومن معاني الحفيظ سبحانه أنه هو العليم المهيمن الرقيب على خلقه ، لا يَعْزُب عنه مِثقالُ ذرّة في ملكه ، وهو الحفيظ الذي يحفظ أعمال المكلفين قال تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)[الشورى:6]
وقفات
ومن تمام حفظه سبحانه أن شرع أسباباً كونية وقدرية تقي من المصائب والأقدار المؤلمة أو تتخفف أثرها حتى تأتي ساعة التي لا تنفع فيها الأسباب ومن ذلك
أن الحفظ من الله بقدر طاعة العبد لربه والقرب منه فكلما ازداد العبد طاعة ازداد الله له حفظاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( احفظ الله يحفظك)).
فيحفظ عليه بدنه وماله, ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته ,ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.
بل تراه يموت الصالح من عباده فيبقى الله راعيا أولاده .قال تعالى{وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً}[الكهف:82].
ومن أعظم ما يتحصن به الإنسان من شر شيطان الإنس والجان وأقوى الأسباب حفظاًً للعبد ذكره لربه واستعاذته به, فما تسلطت الشياطين ولا كثر في الناس العين والسحر إلا لما غفلت القلوب والألسنة عن ذكر الله فمن أراد حفظ الله له ولأولاده فليحافظ على ذكره لمولاه كي يمن الله بحفظه
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة " . قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " . فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه سيعود " . فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ؟ " قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " . فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هو قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [3] حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فعل أسيرك ؟ " قلت : زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال " . يا أبا هريرة قال لا قال : " ذاك شيطان " . رواه البخاري
يتبع بإذن الله

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق