بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، يونيو 3

الرحمن الرحيم(1)

الرحمن الرحيم(1)- منقول من موقع العقيدة والحياة

/* للشيخ / عبدالعزيز بن ناصر الجليل */

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :

فإن الله تعالى قال: â ß`»oH÷q§9$# ÇÊÈ zN¯=tæ tb#uäöà)ø9$# ÇËÈ á [الرحمن: 1، 2].

وقال - عز وجل -: â ß`»oH÷q§9$# ’nωtã ĸöyèø9$# 3“uqtGó™$# ÇÎÈ á [طه: 5].

وقال سبحانه: â Ïþ’ÎoTÎ) ß$%s{r& br& y7¡¡yJtƒ Ò>#x‹tã z`ÏiB Ç`»uH÷q§9$# á

[مريم: 45].

والآيات في ذكر اسم (الرحمن) كثيرة جاءت في (57) موضعًا من القرآن.

أما اسمه (الرحيم) فقد جاء في (123) موضعًا من القرآن الكريم أكثرها كان مقترنًا باسمه سبحانه (الغفور) ومن ذلك قوله تعالى: â (#rãÏÿøótGó™$#ur ©!$# ( ¨bÎ) ©!$# Ö‘qàÿxî 7LìÏm§‘ ÇËÉÈ á [المزمل: 20].

وقوله تعالى: â tb%Ÿ2ur tûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ $VJŠÏmu‘ ÇÍÌÈ á [الأحزاب: 34].

وقوله تبارك وتعالى: â ߉ôJysø9$# ¬! Å_Üu‘ šúüÏJn=»yèø9$# ÇËÈ á [ الفاتحة: 2].

وقوله - عز وجل -: â ¨bÎ)ur š­/u‘ uqçlm; Ⓝ͖yêø9$# ãLìÏm§9$# ÇÊÒÊÈ á [الشعراء: 191].

المعاني الكريمة لهذين الاسمين الجليلين:

هذان الاسمان الكريمان مشتقان من (الرحمة) على وجه المبالغة وهي الرقة والتعطف وإن كان اسم (الرحمن) أشد مبالغة من اسم (الرحيم)، لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل وبناء فعلان: للسعة والشمول، واتفق أهل العلم على أن اسم (الرحمن) عربي لفظه، وفي الحديث القدسي: (أنا الرحمن ، خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي...) الحديث (1).

فقد دل هذا الحديث على الاشتقاق. وكانت العرب تعرف هذا الاسم في لغتها.

قال الله - عز وجل -: â (#qä9$s%ur öqs9 uä!$x© ß`»oH÷q§9$# $tB Nßg»tRô‰t7tã á [الزخرف: 20]. وجاء في أشعارهم قول الشاعر :

وعجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشأ الرحمن يعقـد ويطلق(2)

الفرق بين الاسمين: فرق بعض أهل العلم بين هذين الاسمين الكريمين بالفروق التالية:

أولاً: أن اسم (الرحمن): هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة.

وأما اسـم (الرحيم): فهو ذو الرحـمة للمؤمنين كما في قوله تعـالى: â tb%Ÿ2ur tûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ $VJŠÏmu‘ ÇÍÌÈ á [الأحزاب: 43]. ولكن يشكل على ذلك قوله تعالى: â žcÎ) ©!$# Ĩ$¨Y9$$Î/ Ô$râäts9 ÒÔŠÏm§‘ ÇÊÍÌÈ á [البقرة: 341]، وقوله تعالى: â ãNä3š/§‘ “Ï%©!$# ÓÅe÷“ムãNà6s9 šù=àÿø9$# ’Îû ̍óst7ø9$# (#qäótGö;tGÏ9 `ÏB ÿ¾Ï&Î#ôÒsù 4 ¼çm¯RÎ) šc%x. öNä3Î/ $VJŠÏmu‘ ÇÏÏÈ á [الإسراء: 66].

ثانيًا: أن اسم (الرحمن) دال على الرحمة الذاتية، و(الرحيم) دال على الرحمة الفعلية؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم. فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته.

وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: â tb%Ÿ2ur tûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ $VJŠÏmu‘ ÇÍÌÈ á [الأحزاب: 43]، وقوله: â ¼çm¯RÎ) óÔÎgÎ/ Ô$râäu‘ ÒÔŠÏm§‘ ÇÊÊÐÈ á [التوبة: 117].

ولم يجيء قط (رحمن بهم) فعلم أن (الرحمن) هو الموصوف بالرحمة، (والرحيم) هو الرحيم برحمته» (1).

ويقول في موطن آخر: «ولم يجيء رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين؛ مع ما في اسم (الرحمن) - الذي هو على وزن فعلان - من سعة هذا الوصف؛ وثبوت جميع معناه للموصوف به. ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا؛ وندمان، وحيران، وسكران، ولهفان، لمن مُلِئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول.

ولهـذا يقرن استواءه على العرش بهـذا الاسـم كثيرًا، كقـوله تعـالى: â ß`»oH÷q§9$# ’nωtã ĸöyèø9$# 3“uqtGó™$# ÇÎÈ á [طه:5]: â ¢ÔèÔ 3“uqtGó™$# ’nωtã ĸöyèø9$# 4 ß`»yJôm§9$# á [الفرقان: 59].

فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأن العرش محيطٌ بالمخلوقات؛ قد وسعها، والرحمة محيطة بالخلق؛ واسعة لهم، كما قال تعالى: â ÓÉLyJômu‘ur ôMyèÅ™ur ¨@ä. &äóÓx« á [الأعراف: 156]، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كلَّ شيء.

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (لما قضى الله الخلق: كتب في كتاب - فهو عنده موضوعٌ على العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي)(1). وفي لفظٍ: (فهو عنده على العرش)(2).

فتأمَّل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة؛ ووضعه عنده على العرش، وطَابقْ بين ذلك وبين قوله: â ß`»oH÷q§9$# ’nωtã ĸöyèø9$# 3“uqtGó™$# ÇÎÈ á [طه: 5].

وقوله: â ¢ÔèÔ 3“uqtGó™$# ’nωtã ĸöyèø9$# 4 ß`»yJôm§9$# ö@t«ó¡sù ¾ÏmÎ/ #ZŽÎ6yz ÇÎÒÈ á [الفرقان: 59] يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب - تبارك وتعالى - إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم»(3).

ثالثًا: اسم (الرحمن) من الأسماء التي لا يجوز للمخلوق أن يتسمى بها؛ قال الله تعالى: â È@è% (#qãã÷Š$# ©!$# Írr& (#qãã÷Š$# z`»uH÷q§9$# ( $wƒr& $¨B (#qããô‰sω ã&s#sù âä!$yJó™F{$# 4Óo_ó¡çtø:$# 4 á [الإسراء: 110] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وهو (الله) – جـل جلاله - وأما (الرحيم) فإنه تعـالى وصف به نبيه r حيث قال:â ëȃ̍ym Nà6ø‹n=tæ šúüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ Ô$râäu‘ ÒÔŠÏm§‘ ÇÊËÑÈ á

[التوبة: 128].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم (الله)، (الرحمن)، (الخالق)، (الرازق) ونحو ذلك؛ ولهذا بدأ باسم الله الموصوف (بالرحمن) لأنه أخص وأعرف من (الرحيم)؛ لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص»(1).

إثبات صفة الرحمة لله رب العالمين:

صفة (الرحمة) من الصفات الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة. وهي صفة كمال لائقة بذاته سبحانه كسائر الصفات، لا يجوز أن تنفيها أو تؤولها أو تحرفها أو تقوض معناها أو تكيفها كما هو مقرر في مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات. ويرد الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - على القائلين من أهل البدع بأن رحمة الله مجاز، وأنها عبارة عن إنعامه على عباده، وإحسانه إليهم من عدة وجوه منها:

«الأول: إن الإلحاد إما أن يكون بإنكار لفظ الاسم أو إنكار معناه، فإن كان إنكار لفظه إلحادًا فمن ادعى أن (الرحمن) مجاز لاحقيقة؛ فإنه يجوز إطلاق القول بنفيها فلا يستنكف أن يقول: ليس (بالرحمن) ولا (الرحيم) كما يصح أن يقال: للرجل الشجاع ليس بأسد على الحقيقة، وإن قالوا: نتأدب في إطلاق هذا النفي، فالأدب لا يمنع صحة الإطلاق. وإن كان الإلحاد هو إنكار معاني أسمائه وحقائقها فقد أنكرتم معانيها التي تدل عليها بإطلاقها، وما صرفتموها إليه من المجاز فنقيض معناها، أو لازم من لوازم معناها، وليس هو الحقيقة، ولهذا يصرح غلاتهم بإنكار معانيها بالكلية ويقولون: هي ألفاظ لا معاني لها.

الرد الثاني: إن هذا الحامل لكم على دعوى المجاز في اسم (الرحمن) هو بعينه موجود في اسم (العليم والقدير والسميع والبصير) وسائر الأسماء.

فإن المعقول من العلم صفة عرضية تقوم بالقلب إما ضرورية، وإما نظرية، والمعقول من الإرادة حركة النفس الناطقة لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، أو ينفع غيرها أو يضره.

والمعقول من القدرة القوة القائمة بجسم تتأتى به الأفعال الاختيارية فهل تجعلون إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله حقيقة أم مجازًا؟

فإن قلتم: حقيقة تناقضتم أقبح التناقض، إذ عمدتم إلى صفاته سبحانه فجعلتم بعضها حقيقة وبعضها مجازًا، مع وجود المحذور فيما جعلتموه حقيقة.

وإن قلتم: لا يستلزم ذلك محذورًا، فمن أين استلزم اسم (الرحمن) المحذور؟ وإن قلتم: الكل مجاز، لم تمكنوا بعد ذلك من إثبات حقيقة لله البتة، لا في أسمائه، ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفاته وهذا انسلاخ من العقل والإنسانية.

الرد الثالث: إن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى، فإن (العليم والقدير والسميع والبصير) أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها، فاستعمالها لغير من وصف بها، استعمال للاسم في غير ما وضع له، فكما انتفت عنه حقائقها؛ فإنه تنتفي عنه أسماؤها، فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات، فإذا انتفت حقيقة الرحمة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر انتفت الأسماء المشتقة منها عقلاً ولغة، فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفة والاسم جميعًا.

الرد الرابع: إنه كيف يكون أظهر الأسماء التي افتتح الله بها كتابه في أم القرآن وهي من أظهر شعار التوحيد، والكلمة الجارية على ألسنة أهل الإسلام وهي: بسم الله الرحمن الرحيم التي هي مفتاح الطهور والصلاة وجميع الأفعال، فكيف يكون مجازًا؟

الرد الخامس: قولهم: الرحمة رقة القلب، تريدون رحمة المخلوق أم رحمة الخالق؟ أم كل ما سمي رحمة شاهدًا أو غائبًا؟

فإن قلتم: بالأول صدقتم ولم ينفعكم ذلك شيئًا، وإن قلتم: بالثاني والثالث كنتم قائلين غير الحق، فإن الرحمة صفة الرحيم وهي في كل موصوف بحسبه، فإن كان الموصوف حيوانًا له قلب فرحمته من جنسه رقة قائمة بقلبه، وإن كان مَلَكًا فرحمته تناسب ذاته.

فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق لمخلوق.

وهذا يطرد في سائر الصفات كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة إلزامًا ووجوبًا، فكيف يكون رحمة أرحم الراحمين مجازًا دون السميع العليم؟

الرد السادس: إنه من أعظم المحال أن تكون رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شيء مجازًا ورحمة العبد الضعيف القاصرة المخلوقة المستعارة من ربه التي هي من آثار رحمته حقيقة. وهل في قلب الحقائق أكثر من هذا؟

الرد السابع: ما رواه أهل السنن عن النبي r أنه قال: يقول الله تعالى: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)(1).

فهذا صريح في أن اسم الرحم مشتق من اسمه (الرحمن) تعالى، فدل على أن رحمته لما كانت هي الأصل في المعنى كانت هي الأصل في اللفظ ومثل هذا: قول حسان t في النبي r :

فَشــَقَّ له من اســــــمه لِيُجــله فذُو العَرْشِ مَحمودٌ وهذا مُحمد

فإذا كانت أسماء الخلق الممدوحة مشتقة من أسماء الله الحسنى كانت أسماؤه يقينًا سابقة فيجب أن تكون حقيقة، لأنها لو كانت مجازًا، لكانت الحقيقة سابقة لها، فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فيكون اللفظ قد سمي به المخلوق ثم نقل إلى الخالق وهذا باطل قطعًا.

الرد الثامن: ما في الصحيحين عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال: ( لما قَضَى الله الخَلْقَ كتبَ كتابًا فهو مَوضوعٌ عنده فوقَ العَرشِ: إنَّ رحمتي سَبَقَت غَضَبي)(2) ، وفي لفظ: (غلبت).

وقال تعالى: â |=tGx. öNä3š/u‘ 4’nωtã ÏmÅ¡øÿtR spyJôm§9$# á [الأنعام: 54]، فوصف نفسه سبحانه بالرحمة وتسمّى بالرحمن قبل أن يكون بنو آدم.

فادعاء المدعي أن وصفه بالرحمن مجاز من أبطل الباطل.

الرد التاسع: إنه من المعلوم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل في المستعار له، وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ بالحقيقة أكمل من المعنى الذي دل عليه بالمجاز، وإنما يستعار لتكميل المعنى المجازي تشبيهه بالحقيقي، كما يستعار الشمس، والقمر، والبحر للرجل الشجاع، والجميل، والجواد.

فإذا جعل (الرحمن والرحيم والودود) وغيرهما من أسمائه سبحانه حقيقة في العبد، مجازًا في (الرب)، لزم أن تكون هذه الصفات في العبد أكمل منها في (الرب) تعالى.

الرد العاشر: إن الله سبحانه وتعالى فرق بين رحمته، ورضوانه، وثوابه المنفصل فقال تعالى: â öNèdçŽÅe³t6ムÔßgš/u‘ 7pyJômtÎ/ çm÷YÏiB 5bºuqôÊÍ‘ur ;M»¨Zy_ur öNçl°; $pkŽÏù ÒÔŠÏètR íÔŠÉ)•B ÇËÊÈ á [التوبة: 21].

فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان ثوابًا منفصلاً مخلوقًا، وقول من قال هي إرادته الإحسان، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة، فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها وهو إرادة الإحسان» (1).

ويقول في موطن آخر: «إن (الربَّ) يستحيل أن يكون إلا (رحيمًا)، فرحمته من لوازم ذاته، ولهذا كتب على نفسه الرحمة؛ ولم يكتب على نفسه الغضب، فهو لم يزل ولا يزال (رحيمًا) ولا يجوز أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال غضبانًا، ولا أن غضبه من لوازم ذاته، ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب، ولا أن غضبه يغلب رحمته ويسبقها»(1).

والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:

الأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه كسائر صفاته، يجب إثباتها لله - عز وجل - من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. كما قال سبحانه: â ÓÉLyJômu‘ur ôMyèÅ™ur ¨@ä. &äóÓx« á [الأعراف: 156]، وقوله تعالى: â šš/u‘ur ÓÍ_tóø9$# rèŒ ÏpyJôm§9$# 4 á [الأنعام: 133].

الثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله - عز وجل - منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة كما جاء في قوله r: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها؛ وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)(2). ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله r: (أن الله - عز وجل - قال عن الجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء.... » الحديث (3)؛ وهذه الرحمة من باب إضافة المفعول إلى فاعله، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية.

ورحمة الله عز وجل لعباده نوعان:

الأولى - رحمة عامة:

وهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، ونومهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى.

قال الله - عز وجل -: â $uZ­/u‘ |M÷èÅ™ur ¨@à2 &äóÓx« ZpyJôm§‘ $VJù=Ïãur á [غافر: 7]، يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية: «وهذه هي الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات، حتى الكفار؛ لأن الله قرن الرحمة هذه مع العلم؛ فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء؛ فقد بلغته رحمته؛ فكما يعلم الكافر؛ يرحم الكافر أيضًا.

لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية مختصة بالدنيا؛ فالذي يرزق الكافر هو الله الذي؛ يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك»(1).

الثانية - رحمة خاصة:

وهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله - عز وجل - في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثيبهم عليه، ويدافع عنهم وينصرهم على الكافرين ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيما أعطاهم، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب ويغفر لهم ذنوبهم ويكفرها بالمصائب ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخولهم الجنة ونجاتهم من عذابه - عز وجل - ونقمته. وهذه الرحمة هي التي جاء ذكرها في قوله تعالى: â tb%Ÿ2ur tûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ $VJŠÏmu‘ ÇÍÌÈ á [الأحزاب: 43].

يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - عن هذه الرحمة الخاصة بعد حديثه عن الرحمة العامة: «أما المؤمنون؛ فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم؛ لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية.

ولهذا تجد المؤمن أحسنَ حالاً من الكافر، حتى في أمور الدنيا؛ لأن الله يقول: â ô`tB Ÿ@ÏJtã $[sÎ=»|¹ `ÏiB @Ÿ2sŒ ÷rr& 4ÓsRé& uqèdur Ö`ÏB÷sãB ¼çm¨ZtÍ‹ósãZn=sù Zo4qu‹ym Zpt6ÍhŠsÛ ( á [النحل: 97] الحياة الطيبة هذه مفقودة بالنسبة للكفار، حياتهم كحياة البهائم.. لكن المؤمن إن أصابته ضراء صبر واحتسب الأجر على الله - عز وجل - وإن أصابته سراء شكر فهو في خير في هذا، وفي هذا وقلبه منشرح مطمئن»(1).

وقال عند قوله تبارك وتعالى: â tb%Ÿ2ur tûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ $VJŠÏmu‘ á.

(قوله: â ttûüÏZÏB÷sßJø9$$Î/ á: متعلق بـ(رحيم)، وتقديم المعمول يدل على الحصر، فيكون معنى الآية: وكان بالمؤمنين لا غيرهم رحيمًا.

ولكن كيف نجمع بين هذه الآية والتي قبلها: â $uZ­/u‘ |M÷èÅ™ur ¨@à2 &äóÓx« ZpyJôm§‘ $VJù=Ïãur á نقول: الرحمة التي هنا غير الرحمة التي هناك. هذه رحمة خاصة متصلة برحمة الآخرة لا ينالها الكفار؛ بخلاف الأولى. هذا هو الجمع بينهما، وإلا فكلٌ مرحوم، لكن فرق بين الرحمة الخاصة والرحمة العامة) (1).





* من كتاب ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها . دراسة تربوية للآثارالإيمانية والسلوكية لأسماء الله الحسنى ) للشيخ / عبدالعزيز بن ناصر الجليل . ط . دار طيبة 1429هـ .





--------------------------------------------------------------------------------

([1]) أحمد في المسند (1686)، وأبو داود في سننه (1694) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (520).

([2]) انظر النهج الأسمى محمد حمود النجدي 1/75، 76.

([3]) بدائع الفوائد 1/24.



([4]) البخاري (7404)، ومسلم: (2751).

([5]) البخاري: (3194).

([6]) مدارج السالكين 1/34.

([7]) تفسير ابن كثير 1/21.

([8]) الترمذي (1907)، وأحمد (1662)، وصـححه الألباني في صـحيح الترمـذي برقم (1557).

([9]) البخاري (3194)، ومسلم (2751).

([10]) مختصر الصواعق المرسلة «باختصار» ص 112 - 126.

([11]) مختصر الصواعق المرسلة: 1/259.

([12]) مسلم (2752).

(3) مسلم (2846).



(1) شرح العقيدة الواسطية (بتصرف يسير) 1/249.

(1) شرح العقيدة الواسطية 1/249.

(1) شرح العقيدة الواسطية 1/251.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق