بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، مايو 16

الكتاب - وطن في كارثة

الكتاب - وطن في كارثة

وطن في كارثة
بقلم: جابر عصفور
جابر عصفور
1999
عدد القراءات


مصر وطن في كارثة هي جملة تداعت إلي ذهني‏,‏ بعد أن استمعت إلي بيان وزير العدل تعليقا علي كارثة إمبابة التي دفعته إلي القول صراحة إن مصر أصبحت أمة في خطر‏,‏
ومعه كل الحق في هذا التوصيف, وأظن أن معي الحق في أن أكتب العبارة التي بدأت بها هذا المقالة والمهم, الآن, ليس البكاء علي الدم المسكوب, أو المسارعة إلي إدانة الحكومة, وهي بالفعل حكومة مترددة, متباطئة, في مواجهة المخاطر العظيمة التي تهدد الوطن داخليا وخارجيا, وليس لديها استراتيجية علمية شاملة لمواجهة هذه المخاطر قبل حدوثها,
فتبدو الحكومة كأنها تتحرك بمنطق رد الفعل, مثقلة بالمشكلات الجزئية اليومية التي تصرفها عن تأسيس سياسات فعالة لمواجهة ما مررنا به, وما لا نزال نعاني منه, وما يمكن أن يحدث من مآس قادمة, كان لابد أن تتوقعها هذه الحكومة, وتعمل علي تداركها بحزم تفتقده للأسف.
وأعتقد أن مظاهر الكارثة التي تواجهها مصر حاليا, تتمثل في ثلاثة مظاهر أساسية الأول هو الانفلات الأمني وغياب هيبة الدولة إلي الدرجة التي تجعلنا نسمع ونشاهد جرائم يندهش لها العقل, تحدث يوميا وعلي مرأي ومسمع من الجميع ولا أمن كافيا لضبط الأمور, ولا تدخل سريعا ورادعا للقوات المسلحة في مواجهة الجرائم التي ترتكب في كل مكان, وأحداث العنف التي أصبحت قوتا يوميا, يزيد من لهيبها بعض أجهزة الإعلام التي يبدو أنها تقوم بدور سلبي في متابعة الأحوال المتردية, في أساليب لا تخلو من البراءة أحيانا ويعمل علي تقويض هيبة الدولة وتشجيع الانفلات الأمني بقايا الحزب الوطني وفلوله التي لا تزال تملك سطوة المال وتأثيره, فضلا عن أصابع أيد وأموال أجنبية في ظني, تأتي من أنظمة لها مصلحة في تقويض ثورة25 يناير, ودفع الناس البسطاء إلي التحسر علي أيام نظام مبارك وقد سمعت ذلك بأذني في الفضائيات من مواطنين روعتهم كارثة حرق كنيسة مارمينا في إمبابة وهي ليست كارثة الحرق الأولي بل الثالثة التي تؤكد أننا لم نستفد من الكارثتين السابقتين ولم نتوقع المزيد, بسبب المعاملة الرخوة لكل كارثة, وهذا من أغرب الأمور.
والمظهر الثاني هو الفتنة الطائفية إذا أردنا الوصف القاسي السليم, أو الاحتقان الطائفي إذا أردنا الوصف المخفف لكن كلا الوصفين يؤكد أن أخطاء جذرية لا تزال ترتكب, وأن الأقباط أصبحوا يشعرون بالخوف فعلا, ولم يعودوا يصدقون ما يقوله البابا من أن مصر وطن يعيش فيهم وكيف يصح ذلك, وهم يشعرون بالتهديد في حياتهم ومستقبلهم, ويحيط بهم طوفان من غيلان متطرفي الإسلام السياسي يقطعون آذان بعضهم, ويساهمون في حرق بعض كنائسهم والنتيجة هي ارتفاع معدلات هجراتهم, ولجوء بعضهم تخيل؟ إلي السفارة الأمريكية, والاستعانة بأقباط المهجر لطلب الحماية من العالم الغربي المسيحي, كأن هؤلاء الأقباط لم يعيشوا في مصر الدولة التي اخترعت أعظم ثوراتها شعار الدين لله والوطن للجميع وهو شعار بدا أنه سقط تحت أقدام المتطرفين من جماعات الإسلام السياسي الذين يتشدقون بعبارات وشعارات عدائية هي ضد مبدأ المواطنة, وضد السلام الاجتماعي الذي يجمع كل أطراف الأمة في دولة مدنية حديث لا يزال يحاربها جماعات الإسلام السياسي المتطرف, متهمين كل من يدافع عن الدولة المدنية بالكفر, ناسين أن شباب الإخوان المسلمين هتفوا مع غيرهم, في التحرير, رافعين صوتهم بشعارات الدولة المدنية ولكن منذ أن سرقت جماعات الإسلام السياسي ميدان التحرير, انقلب الأمر, واختل الميزان, وأغرت جماعة الإخوان المسلمين الخائفين منها بفخ حزب العدالة والحرية الذي يدعو إلي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية, علي طريقة حزب الرفاه التركي الحاكم, في دولة يحمي علمانيتها الجيش, مدركا أنه لا تعارض بين العلمانية والأديان, فالعلمانية تؤمن بحرية كل الأديان وحقها في الوجود, ولكن ما يتظاهر به الإخوان من اعتدال, يقابله تطرف المتطرفين من الجماعات السلفية التي توحشت بسبب غياب هيبة الدولة وعدم حسم الحكومة في تطبيق القوانين الرادعة, علي كل من يعتدي علي الوحدة الوطنية, ويهدد واقع المواطنة بالقول والفعل, وللأسف لا تزال الحكومة لا تفهم أن هناك فارقا بين أن تعبر عن رأيك, وبين أن يكون إعلان الرأي تهديدا للآخرين وترويعا لهم, فحرية إعلان الرأي ليست حضا للمسلمين علي عدم السلام مع الأقباط, أو عدم مؤاكلتهم أو حتي الرد علي سلامهم, أو اضطهادهم بأشكال مباشرة وغير مباشرة.
هكذا أصل إلي المظهر الثالث للكارثة, وهو الخاص بالمعالجات الخاطئة, وإدارة الوطن بما لا يؤدي إلي تأكيد هيبة الدولة وعدم التنازل عن التطبيق الحاسم والعادل لسيادة القانون حتي لا يضيع الوطن منا, في فوضي من العنف السياسي والديني والاجتماعي والطائفي التي أصبحنا أقرب إليها من أي وقت مضي.
وتظهر الإدارة المقلقة ـ لي وبعض أمثالي علي الأقل ـ من عدم فهم سلطات الوزارة القائمة, في علاقتها بالقوات المسلحة, علي مستويات عديدة, في مدي إدارة الدولة أفهم أن القوات المسلحة هي حامية الدولة, وضمان انتقالها السلمي إلي أن تكون دولة مدنية ديموقراطية حديثة, قائمة علي تداول السلطة, ولذلك قامت بتعديل عدد من مواد الدستور, وحظيت التعديلات بأغلبية شعبية, رغم ما رافق عملية الانتخابات من تدخلات عدد من مجموعات السلفيين أفهم هذا كله, ولكني لا أفهم معني وصف الوزارة بأنها وزارة تسيير الأعمال فهو وصف يشير ـ بداهة ـ لعمل وزارة لا تملك حق التخطيط للمستقبل, والعمل علي وضع أسس راسخة, تعمل عليها وزارات ما بعد الانتخابات الجمهورية, وهنا يأتي السؤال كيف تصحح هذه الوزارة جذريا أوضاعا خاطئة وحتي كارثية, إن لم يتم التخطيط الاستراتيجي السليم لها من الآن فلن يكون هناك مستقبل واعد وهذا ينطبق علي الأمن والحكم المحلي والتعليم بأنواعه والصناعة والاقتصاد, وأخيرا الثقافة التي لا تزال نتعامل معها علي أنها من النوافل الثانوية؟ والسؤال الثاني ما حرية هذه الوزارة في اتخاذ قراراتها التي تهدف إلي الصالح العام وحماية أمن الوطن وسلامته دون أن يكون هناك أي عائق لها؟
والحق أنني أتصور أن الحكومة ـ حاليا ـ تتكون من المجلس الأعلي للقوات المسلحة ومن الوزارة علي السواء ولا أعفي كليهما من مسؤولية عدم الحسم في تطبيق القانون بصرامة, والتباطؤ في معالجة المشكلات التي يؤدي التطابؤ في معالجتها إلي ما هو أخطر خذ مثلا مشكلة تعيين المحافظين, هل صحيح أن تعيينهم يقوم علي قسمة ثلاثية بين كبار رجال القوات المسلحة والأمن وعناصر مدنية, من شخصيات جاوزت الستين, مكافأة لها علي ما قامت به؟ إذا كان هذه ساريا في النظام السابق لإرضاء المقربين من السلطة, فلماذا نمضي عليه في عهد ثوري, بايع فيه شباب التحرير رئيس الوزراء ليجدد شباب الوطن, ويثور علي الأنظمة القديمة, مستبدلا بها أنظمة جديدة تتناسب وزمن جديد شكلا ومضمونا ألم يؤد الاختيار بهذه الطريقة إلي مشاكل حادة في عدد من المحافظات, أخطرها ما حدث في قنا, حيث وصل الأمر إلي قطع السكك الحديدية وإيقاف حركة القطارات, وقطع كل الطرق البرية إلي قنا, وقيل إن بعض الجماعات السلفية رفعت علم السعودية, وبعضها الآخر طالب بمحافظ مسلم وإلا فلا, متحالفين في كل ذلك مع بعض رجال الحزب الوطني من الأسر القوية في قنا وبدلا من مواجهة ما حدث بما يؤكد هيبة الدولة الجديدة, ويضع قواعد جديدة لاختيار المحافظين علي أسس سليمة, أرسلت الحكومة بعض القيادات السلفية لتهدئة الأمور, كما حدث في حرق كنيسة أطفيح, دون إعمال حاسم للقانون, فأطفأت الحكومة اللهب الظاهر للعيان, وتساهلت بما أغري الآخرين بالتكرار, ولم تقض علي النار الكامنة تحت الرماد التي سرعان ما اندلعت في غير قنا وكانت النتيجة تكرار ما حدث في أطفيح وفي إمبابة التي هي معقل قديم للجماعات المتطرفة, وهل نسينا أميرها الذي أعلن استقلاله زمن السادات؟ وقس علي ذلك معالجة جريمة قطع أذن مسيحي في قنا من قبل, ومعالجة الأمر بمصالحة قام بها مشايخ وقساوسة, وقمنا بتصوير الجلاد المجرم والضحية في التليفزيون, كأننا نوحي للآخرين أن يفعلوا مثله دون إعمال حاسم للقانون, وما ذكرته من أمثلة يغني عن غيره من معالجات خاطئة, كادت أن تفقدنا الثقة في الحكومة القائمة كلها, وجعلتنا نميل إلي اتهام وزارة عصام شرف بالضعف, واستنكار حرصه علي أن يرضي جميع الأطراف, مؤكدين أن تصور إمكان إرضاء الجميع هو نوع من السذاجة الفكرية, ويقود ذلك إلي السؤال عن المبرر المقنع لعدم محاسبة المتسببين في حرق كنيسة أطفيح, وعدم تقديمهم إلي المحاكمة إلي اليوم, وهل يعقل أن نكتفي بإرسال بعض رجال الدين للتهدئة, متجاهلين حق المجتمع, قانعين بأن تعيد القوات المسلحة بناء الكنيسة لإعادة الوفاق دون محاسبة الذين أجرموا بحرق بيت من بيوت الله هذه معالجة تتجاهل سيادة القانون, ونتيجتها هي الإسهام في تقويض هيبة الدولة, وتشجيع أمثال الذين استولوا علي أحد مساجد وزارة الأوقاف, ومنعوا دخول الخطيب إليه, وكذلك تشجيع أشباه الذين أحرقوا كنيسة أطفيح علي حرق كنيسة إمبابة في كارثة دفعت القوات المسلحة إلي حسم الأمور, وتحويل مائة وتسعين إلي المحاكمة العسكرية, وليت ذلك قد حدث منذ البداية, ولذلك لا أظن أن كثيرا من المواطنين سوف يستعيدون الثقة في الحكومة, ومن ثم في مستقبل واعد للوطن, إلا إذا رجعت للدولة هيبتها, ولم تستثن أحدا أو تتساهل مع أي من كان, فالإعمال الحاسم والصارم والعادل للقانون والدستور هو أول ما يحمي المواطنة ويؤسس للدولة المدنية التي كادت تصبح حلما بعيد المنال اللهم لقد بلغت, اللهم فاشهد

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق