بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، أبريل 23

ماقبل النزوح من الدلتا

ماقبل النزوح من الدلتا

بقلم أ.د. عبد العزيز نور
كلية الزراعة ـ جامعة الإسكندرية
nouraziz2000@yahoo.com
تشير العديد من التقارير والدراسات العلمية الدولية الى قرب حدوث انفلات كونى ضخم من خلال مانسميه بظاهرة "المتغيرات المناخية" وما ينتج عنها من ارتفاع فى درجات حرارة الجو و زيادة معدلات ذوبان الجليد فى المناطق القطبية وارتفاع منسوب المياه فى البحار والمحيطات بالاضافة إلى انخفاض معدلات سقوط الأمطار عن معدلاتها الحالية فى بعض المناطق من العالم وآثار ذلك على انقراض العديد من الكائنات الحية واحداث خلل فى المنظومة البيئية العالمية ولم يترك هذا الانفلات قارتنا السوداء التى تقاسى من كافة آثار الفقر والجهل والمرض بل ستتعرض مساحات شاسعة منها للجفاف والتصحر والغمر بمياه البحار.
وللأسف الشديد فأن ما يتعرض له عالم اليوم من هذه التغيرات المناخية هى من صنع البشر فى الدول المتقدمة القابعة فى النصف الشمالى من الكرة الارضية حيث ان مشروعاتهم العملاقة وصناعاتهم المتقدمة مما ادى الى حدوث تلوث والضرر الشامل للبيئة براً وبحراً وجواً و زيادة ثقب الأوزون و ظهور مشاكل الاحتباس الحرارى وسقوط الامطار الحامضية وتسونامى وخلافه 00000 و يدفع الثمن دائماً المليارات من الضعفاء والفقراء من البشر فى الدول النامية.
واذا كان لمصر نصيب متوقع لما سبق سرده من مفردات احداث الانفلات الكونى الكبير فأن ذلك يكمن فى اخطار تهب عليها من الجنوب لتهدد نهر النيل وتعرضه للجفاف نتيجة لانحسار سقوط الامطار على منابعه ولأقامة السدود من الدول المشتركة على طول مجرى النهر قبل وصولها الى الحدود المصرية لتحقيق اقصى استفادة من المياه المتاحة لديها وكذلك من الشمال نتيجة لارتفاع منسوب المياه فى البحر الابيض المتوسط وتداخل المياه المالحة مع المياه الجوفية بشمال الدلتا بما ادى الى قرب فقدان حوالى 2 مليون فدان من اجود الاراضى الزراعية نتيجة لانتشار الملوحة على سطح هذه الاراضى بالاضافة الى غرق اجزاء كبيرة من الدلتا و التى توضحها خرائط كاملة متاحة للجميع ومنشورة فى تقارير علمية عالمية عن الوضع الحالى والاحتمالات المختلفة اذا ما ارتفع منسوب مياه البحر بمقدار نصف متر ومتر وثلاث امتار على التوالى بما سيؤدى فى نهاية الامر الى اختفاء الدلتا بالكامل !
وإذا ما أضفنا هذا العبء البيئي المتوقع إلى خطورة العشوائيات التي تتزايد عاماً بعد عام محققاً أعلى معدلات كثافة سكانية في العالم 78 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع ببعض المناطق العشوائية المصرية (مقابل 8 آلاف / كم2 كمتوسط عالمي) نجد أنه من اللازم الإسراع في الخطي اللازم اتخاذها وإعلان حالة الطوارئ القصوى ولسنوات طويلة للمواجهة بحلول غير تقليدية فعالة....
ولذا فأن الهدف من هذا المقال هو القاء الضوء على واحدة من اهم القضايا التى ستواجه المواطن المصري فى القريب العاجل بما يحفز الهمم والاستعدادات لمواجهة هذا الخطر المحدق حفاظاً على مستقبل الاجيال القادمة.
والسيناريوهات المحتملة للمواجهة تحتاج الى رؤية مبنية على الابداع العلمى والارادة الحديدية المعتمدة على وفرة السواعد الفتية المصرية القادرةعلى تغيير الحياة على وجه الصحراء فى سنوات محددة لانجاز كبير يعمل على الخروج الرشيق من الوادى والا فسنواجه خطر النزوح من الدلتا بطريقة عشوائية محفوفة بالمخاطر بما يهدد الأمن القومى.
و بلاشك فأن تبنى السيد الرئيس محمد حسنى مبارك بصفته رئيساً مخلصاً لمصر هذه القضية بأعتبارها قضية الأمن القومى الأولى فى خلال السنوات القادمة هى ضمانة قوية للبدء الفورى فى اطلاق العنان للمبدعين من علماء مصر لإجراء دراساتهم اللازمة لتحديد الرؤية الشاملة ووضع الخطط اللازمة لتحقيق الأهداف من خلال برامج تنفيذية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد بمسئولية كاملة لوزارة جديدة يتم انشاؤها لتكون موازية لوزارة الدفاع تسمى " وزارة المستقبل" التى ستعمل على خلق جيل جديد من الشباب يتمتع بالخلق القويم والانتماء للوطن ومزوداً بالعلم والتكنولوجيا لاستيعاب احدث متغيرات العصر فشباب مصر هم دائماً وابداً هم الركيزة فى احداث التقدم ولنا فى العهد الحديث مثل هذه الكوادر الشبابية الواعدة التى ساهمت وانجزت العديد من المشروعات القومية مثل السد العالى و حرب اكتوبر عام 1973 على سبيل المثال لا الحصر وهى نماذج مشرفة نحن فى أمس الحاجة الى جهودها الآن 000000 والوزارة المقترحة ستعمل فى نسق واطار وزارة الدفاع ويكون لها سلطات موازية لجميع الوزارات الحالية بشرط الا تتبعها لتعمل فى منأى عن الروتين والبيروقراطية وكافة المعوقات الحالية التى تعوق عمل الوزارات القائمة و تخصص لها ميزانيات وموارد تمويل من مصادر غير تقليدية تعتمد على منح وقروض خارجية وداخلية لتنفيذ البنية الأساسية وتتولى مهمة طرح المشروعات على المستثمرين على مختلف طوائفهم لإنشاء الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات والاندية وخلافه 000000 بنظام تسليم المفتاح على ان تتولى مسئوليات الادارة والصيانة والتشغيل والحصول على العوائد بنظام الانتفاع لمدة زمنية محددة تعود بعدها لمصر.
وبالتنسيق مع وزارة الدفاع كذلك سيتم تجنيد شباب مصر داخل هذه الوزارة لفترات اطول من الفترات الحالية ونقترح ان تكون مدد التجنيد خمس سنوات لغير المؤهلين و اربع سنوات للحاصلين على الدبلومات وثلاث سنوات للحاصلين على الشهادات الجامعية لتشكيل كتائب متنوعة للخدمة الوطنية اللازمة توفيراً للقوى العاملة المدربة اللازمة. وستقوم الوزارة الجديدة بادارة عمليات التجنيد والتدريب والتنفيذ مع تمليك المجندين للمشروعات التى سيقومون بانجازها وبما يضمن لهم ولاسرهم الجديدة فى هذه المجتمعات النامية حياة كريمة ومن هنا تبدأ الرغبة فى التعمير والتوطين بمختلف صحارى مصر بعيداً عن الشريط الضيق للدلتا الذى نعيش عليه الآن والذى لايتعدى 4% من مساحة البلاد والمعرض بشدة للاخطار البيئية المحدقة.
وتعمل الوزارة الجديدة على اقامة مجتمعات عمرانية متكاملة فى الاراضى الصحراوية ( 96% من ارض مصر) بهدف خلق مجتمعات جديدة تطبق المعايير العالمية فى التخطيط والتنفيذ البيئى الآمن و يتم اختيار موقع لمدينة متميزة لتكون عاصة لمصر الحديثة تسمى "مدينة مبارك" فى محافظة مطروح على سبيل المثال لتكون مطلة على البحر الابيض المتوسط وتزود بكافة وسائل الاتصالات الحديثة مع مختلف دول العالم من خلال ميناء بحرى ضخم ومطار دولى وشبكة طرق برية دولية مخططة على احدث المواصفات العالمية بها اماكن مخصصة للوزارات والهيئات والسفارات وخلافه00000 ويتم ربط العاصمة الجديدة بالوادى الجديد وجنوب الوادى والمحافظات القديمة على حد سواء مع الاهتمام بالاستمرار فى مخططات تنمية شبه جزيرة سيناء.
ويتطلب الامر انشاء شبكة من الترع المبطنة بالخرسانة لتوصيل مياه للشرب فقط للمدن الجديدة من منابع لها من بحيرة ناصر مباشرة مع ضرورة منع اى تعديات بشرية عليها لتوفر لمصر الماء العذب النظيف الخالى من التلوث والملوثات ونحد من التكاليف الباهظة التى تصرف حالياً لمعالجة المياه لتكون صالحة للشرب حفاظاً على صحة المواطنين كما سيتم وقف اى مشروعات تنموية فى مناطق الخطر فى شمال الدلتا.
ومن الضرورى حشد وسائل الاعلام للتوعية بالاضرار المحتمل ان تتعرض لها الدلتا واهمية الاستعداد للرحيل من الآن حتى لا نفاجأ بالكوارث تحيط من حولنا مع القاء الضوء على على وسائل الانقاذ ومتابعة كتائب العمل لزيادة الانتماء والاهتمام بالتعليم البيئى ومكافحة التلوث فى كافة مراحل التعليم سواء الاساسية منها أو الجامعية.
ان احتمالات تهجير من 20-30 مليون مواطن مصرى من شمال الدلتا خلال الخمسون عاماً القادمة نتيجة لغرق اراضيهم تتطلب منا وحدة الصف والهدف والمصير للعمل المتفانى لتفعيل انجاز هذا المشروع القومى العملاق الذى سيحقق لمصر نقلة حضارية هائلة من خلال غزو الصحراء ولتحقيق الأمن والأمان للأجيال القادمة.
ويجب الا نفقد الأمل فى مسيرة واحداث هذه التغيرات البيئية على شمال البلاد فعلينا ان نقاوم ونصمد ونعيد دراسة مشروعات عملاقة اقترحت فى الماضى ولم تحصل على نصيب وافر من الدراسة او التوفيق فى التنفيذ00000 علينا ان نعيد دراسة مشروع تعذيب البحيرات الشمالية كخط دفاع واقى من ملوحة البحر حيث كان المشروع يهدف الى تعلية جسور البحيرات الشمالية بارتفاع 4 امتار لمنع وصول ماء البحر الى ارض الدلتا واستخدامها كخزانات للمياه العذبة ضمن استراتيجية قومية لمواجهة الجفاف من المنابع وحماية اراضى الدلتا من الغرق 000 كما يمكن الاستفادة من الاراضى المالحة الغير صالحة للزراعة فى انتاج افخم انواع الأسماك للتصدير للحصول على عوائد اعلى من انتاج المحاصيل الزراعية بالاضافة للعديد من الخطط والبرامج التى يمكن ان تضاف الى هذه المقترحات لتكون قيد الدراسة والبحث قبل البت والتنفيذ.
ولقد بدأت الدولة فى تنفيذ عدد من المشروعات القومية العملاقة المفيدة فى هذا الاتجاه ومنها على سبيل المثال لا الحصر مشروعات توشكى و شرق العوينات وتنمية جنوب الوادى وسيناء00000 بهدف الزحف الى مناطق صحراوية جديدة غير مستغلة بغية الانتشار على 25% من مساحتها فى عام 2017 باذن الله وذلك للحد من الكثافة السكانية على الدلتا ولكن ما نخشاه ان تكون هذه الجهود متناثرة ومتفرقة وغير مكتملة ولا تخضع للتقييم طبقاً للمعايير العالمية التى تتم فى اطار منظومة علمية متكاملة.
ومن منطلق ان الاخطار البيئية المحدقة على شمال الدلتا لاتقبل التأجيل فنرى حتمية تحقيق هذا الهدف القومى الكبير فى خلال خمسة وعشرون عاما على اكثر تقدير..
ونناشد جريدة الاهرام من خلال صفحة قضايا وآراء فتح نافذة يومية لقرائها للادلاء بآرائهم ومقترحاتهم القيمة حول هذا الموضوع مع المساهمة فى تنظيم مؤتمر قومى يقام تحت رعاية السيد الرئيس / محمد حسنى مبارك فى سبتمبر القادم باذن الله بمكتبة الإسكندرية العظيمة لفتح المجال أمام العلماء والخبراء والمختصين فى مختلف انحاء مصر لتبادل الرأى والفكر استعداداً للمواجهة الحاسمة مع " المتغيرات المناخية" التى تمثل التحدى الأكبر للأمن المصرى فى خلال هذا القرن

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق